مُعْظَمُنا لا يَسْتَطيعُ سِوى أنْ يَتَخَيَّلَ أنَّهُ مَدْعُوٌّ لِلِّقاءِ بِشَخْصٍ شَهيرٍ وقَوِيٍّ جدّاً. وَكُلُّنا نَعْرِفُ كَيْفَ نَسْتَجيبُ لِهذهِ الدَعوة. فَنَحْنُ نَسْأَلُ أنْفُسَنا: "هَلْ سَيَكونُ هُناكَ مَنْ سَيُقَدِّمُني إلَيْهِ وَيُعَرِّفُهُ عَلَيّ؟ ماذا سَألبِس؟ ماذا يَنْبَغي أنْ أفْعَل؟ ماذا يَنْبَغي أنْ أقول؟ مَنْ يُمْكِنُهُ أنْ يُريني كَيفَ أَتَصَرَّفُ حِينَ أكونُ هُناك؟

تَخَيَّلْ أَنَّكَ دُعِيتَ إلى بِلاطِ اللهِ المَجيدِ، اللهُ خالقُ كلِّ الأشْياء. قَدْ تَكونُ لَديْكَ رَدَّةُ الفِعْلِ ذاتُها، في الواقِعِ سَتَكونُ رَدَّةُ فِعْلِكَ أكْبَرَ بِكثيرِ: هَلْ هُناكَ مِنْ سَيُقَدِّمُني إلى الله؟ ماذا يَنْبَغي أنْ أفْعَل؟ ماذا يَنْبَغي أنْ أقول؟ مَن سَيُريني كَيْفَ يَنْبَغي أنْ أتَصَرَّفَ في مَحْضَرِ الله؟

الأمرُ المُفرِحُ هُوَ أنَّ هناكَ مَنْ يَسْتَطيعُ أنْ يُعِدَّنا ويُحَضِّرَنا لِلِّقاءِ باللهِ، هناكَ مَنْ يُقَدِّمُنا إلَيْهِ، ويَجْعَلُ اللهَ يَنْظُرُ إلينا نَظْرَةَ قُبولٍ، بِحَيْثُ لا يُوجَدُ سَبَبٌ لِنَخافَ دَينونَتَه. وطَبْعاً، هذا الشخصُ هُوَ يسوع: رئيسُ كَهَنَتِنا العَظيم.

في هذه السلسلة سوف نلقي نظرة متعمقة عن يسوع الكاهن. ونستعرض كيف يتمِّم يسوع وظيفة الكاهن الكتابية، أي دور وسيط العهد بين الله وشعبه.

كما رأينا في السلسلة السابقة (يسوع ووظيفة النبي)، وضع الله في العهد القديم ثلاث وظائف ليدير بها ملكوته: وظيفة النبي، وظيفة الكاهن، ووظيفة الملك. وفي المرحلة الأخيرة لملكوت الله، وندعوها عادة "حقبة العهد الجديد"، وجدت كل هذه الوظائف الثلاث تحقيقها النهائي والكامل في يسوع. ولهذا السبب، فإن دراسة أهمية هذه الوظائف وعملها عبر التاريخ يمكن أن تساعدنا في فهم كيفية عمل ملكوت الله في الوقت الحالي، بالإضافة إلى بركات أتباعه الأمناء والالتزامات التي عليهم. وسنركِّز في هذا الدرس على وظيفة يسوع الكهنوتية. نعرِّف الكاهن كما يلي:

هو الشخص الذي يتوسَّط بين الله وشعبه، حتى يقبلهم الله في محضره المُقدَّس الخاصّ ليمنحهم بركته.

نعرف جميعاً أن الله حاضرٌ بشكلٍ غير مرئي في كل مكانٍ وزمان. ولكن في أوقاتٍ وأماكن معيّنة يُظهر نفسه بطرقٍ مرئية غير اعتيادية. مثلاً، هو يظهِر نفسه في جلال وبهاء في بلاطه السماوي. كما يعمل هذا على الأرض أحياناً. وحينما نريد نحنُ خليقته أن نقترب من هذا الظهور الإلهي، ينبغي أن نكون مُستعدّين ومحضَّرين بشكلٍ صحيح ومناسب، ولنا مَن يمثِّلنا ويقودنا، حتى نستطيع نوال قبول الله وبركاته. وفي الكتاب المقدس، هذا النوع من الإعداد والتمثيل أو النيابة عنا والقيادة هي جميعاً العمل الذي يقوم به الكهنة.

وكما درسنا عن وظيفة يسوع النبوية، يغطّي هذا الدرس المتعلِّق بوظيفة يسوع الكهنوتية ثلاثة مواضيع رئيسية: أولاً، خلفية العهد القديم لوظيفة الكاهن. ثانياً، تحقيق هذه الوظيفة في شخص يسوع المسيح وعمله. وثالثاً، التطبيق المعاصر لعمل المسيح الكهنوتي. لننظر أولاً في خلفية العهد القديم لوظيفة يسوع الكهنوتية.

 

خلفية العهد القديم

حين يفكِّر معظم المسيحيين بالكهنوت في العهد القديم، تتّجه أذهانهم فوراً إلى هارون ونسله، وهم الذين عيّنوا كهنةً في زمن موسى، كما نرى في لاويين 8 و9.

ولكن من المهمّ أيضاً أن ننتبه إلى أنه حتّى قبل أيّام موسى، كان ثمّة كهنةٌ خدموا الله. وفي المعنى الواسع للكلمة، حتى قبل السقوط في الخطية، عيّن الله آدم، أبا الجنس البشري، كاهناً له. وبعد آدم، دُعي كل البشر في الأصل لأن يكونوا كهنةً بهذا المعنى الواسع.

وبمعنى أكثر تحديداً وتقنيةً، نجد كهنةً مثل ملكي صادق في زمن إبراهيم، والذي ذُكِر في تكوين 14. كان ملكي صادق ملك ساليم وكاهنها. ويشير أيوب 1 إلى أن أيّوب نفسه تصرَّف ككاهنٍ لعائلته. وبحسب خروج 3، كان يثرون، حمو موسى، كاهناً لله في مديان.

وفي النهاية، أقام الله كهنوتاً رسمياً وحصرياً حلّ هارون وأولاده به بديلاً عن كل الأشكال والأنواع الأخرى للكهنوت. ولكن كل أشكال الكهنوت السابقة تلك كان أصحابها كهنةً حقيقيين للرب. وكل واحدٍ من تلك الأشكال والأنواع كان جزءاً من خلفية العهد القديم لكهنوت يسوع.

سننظر هنا في خلفية العهد القديم للوظيفة الكهنوتية بثلاث طُرُق أو نواحٍ: أولاً، سننظر إلى مؤهِّلات الكهنة. ثانياً، سننظر إلى عملهم. وثالثاً، سنستكشف توقُّعات العهد القديم بما يختصّ بمستقبل الخدمة الكهنوتية. لننظر أولاً إلى الشروط التي كان ينبغي أن تتوفَّر في الكهنة في العهد القديم.

 

المؤهلات

كان ينبغي أن تتوفَّر في الكهنة القدماء مجموعةٌ من المؤهِّلات، ولكنّننا سنذكر اثنين منها يركِّز الكتاب المُقدَّس عليهما. أولاً، سنرى أن الكهنة مُعيَّنون من الله. ثانياً، سنؤكِّد على التزامهم بالوفاء لله. ولنبدأ بحقيقة أن الكهنة كانوا مُعيَّنين من الله لخدمته في وظيفتهم تلك.

التعيين من الله

في العهد القديم، الله وحده هو الذي يعيّن الكهنة. فلم يكُن الكهنة يستطيعون تعيين أنفسهم في هذه الوظيفة. ولم يكن ممكناً التصويت بشأن تعيينهم في هذه الوظيفة. ولا يمكن للملوك أو الحكّام الآخرين أن يُعيِّنوهم في هذه الوظيفة. وحتى الكهنة أنفسهم لا يمكنهم اختيار أشخاصٍ إضافيين للخدمة معهم. استمع إلى ما يقوله خروج 28: 1، حيث أعطى الله هذه الوصية لموسى:

وَقَرِّبْ إِلَيْكَ هَارُونَ أَخَاكَ وَبَنِيهِ مَعَهُ ... لِيَكْهَنَ لِي. (خروج 28: 1)

التعليمات المُفصَّلة التي تتبع هذه الكلمات في خروج 28 تُظهِر أن تعيين الله كان جزءاً أساسياً من رسامة هارون كرئيس كهنة. ويتحدَّث كتاب العدد 18: 22-23 عن الأمر قائلاً إنّه إن تجرّأ أحد من شعب إسرائيل من غير نسل هارون على أن يعمل عمل الكاهن، فينبغي قتله. تؤكِّد الرسالة إلى العبرانيين في 5: 1 و4 على هذه الفكرة بالكلمات التالية:

لأَن كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ مَأْخُوذٍ مِنَ النَّاسِ يُقَامُ لأَجْلِ النَّاسِ فِي مَاِ للهِ... وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُوُّ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ. (عبرانيين في 5: 1 و4)

وهذا المبدأ لا ينطبق على رئيس الكهنة فقط، بل وعلى كل الكهنة في العهد القديم. بالإضافة للتعيين من الله، حتى يكون الكهنة مؤهّلين لوظيفتهم هذه، كان ينبغي أن يتّصفوا بالوفاء لله.

الوفاء لله

ولأن الكهنة كانوا غالباً ما يخدمون بقرب محضر الله الخاص في خيمة الاجتماع والهيكل، كان ينبغي أن يتَّصِفوا بولاء خاص لله بحصر عبادتهم وخدمتهم به، وبتتميم واجباتهم بشكلٍ حريص. كما كان عليهم عمل هذه الأمور لضمان ولاء شعب الله له، حتى يُقبَلوا في محضره المُقدَّس.

نتعلم من العهد القديم أنّه كان للكهنة قوانين محدّدة ليسلكوا بموجبها، فكان حتى لإشعال المذبح بالنار طريقة محدّدة، وكان هناك طريقة محدّدة للكشف على الحيوانات التي جيء بها للذبيحة ليتأكّدوا من أنها كاملة وخالية من الشوائب، وأنّها حقّاً بلا لوم. فالله اشترط أن تكون الأمور على هذا النحو. وكان على الكاهن أن يرتدي ثوباً معيّناً، وأن يقوم بغسلات معيّنة. وتشدّد الرسالة إلى العبرانيين على أنّ كلّ تلك التفاصيل، بما في ذلك الخيمة، وكلّ ما في الخيمة، قد أعطيت لنا كمثال وهي تشير إلى الخيمة السماوية، التي هي حقا محضر الله. فالكهنة بالتالي يمثلون الرب يسوع المسيح... وهم يمثلون تلك القداسة أو ذلك التكفير اللذين لا بدّ أن يقدّما إلى الله لكي ننال الغفران ... فكلّ ما في النظام الكهنوتي والشرائع الكهنوتية قد وضعت بين أيدينا لترينا الكمال الذي في المسيح، وأنّه في الواقع سيحمل خطايا شعبه. فالأثواب التي وضعوها عليهم وأسماء الأسباط المنقوشة عليها والذبائح التي بلا لوم، كلّ ذلك يظهر لنا جدية تعامل الله مع هذا الأمر، وعظمة قداسته، بحيث عندما تصل إلى النهاية تجد انه يوجد طريق واحدٌ فقط لنوال الخلاص. وفي حال جرت أي مساومة على هذا الطريق الواحد ينتهي أمرنا ولا يعود هناك تكفير. إذاً الشرائع الكهنوتية مهمّة جدّاً لتترسّخ في عقولنا أهمّية قداسة الله وبرّه وفرادة ذبيحة المسيح.

 د. توماس نِتِلز

أحد الأمثلة الدراميّة على حاجة الكهنة لأن يكونوا مُقدَّسين يظهر في لاويين 10: 1-2. نقرأ في هذين العددين عن معاقبة الله للكاهنين ناداب وأبيهو بالموت بسبب قربانهما الغريب غير المُقدَّس. وفي 1 صموئيل 4، نقرأ عن موت الكاهنين حفني وفينحاس بسبب عدم احترامهما للرب.

بالإضافة إلى هذين المثلين، يتكلَّم المزمور 132: 9، ومراثي 4: 11-13 بوضوح أنه كان على الكهنة أن يكونوا أمناء لله إن كانوا يريدون إعداد شعبه وقيادته إلى محضره لينالوا بركاته.

بعد أن نظرنا إلى مؤهِّلات الكهنة في العهد القديم، لننظر إلى عملهم.

لقراءة هذه السلسة من المقالات (الجزء الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر ، الثاني عشر)

هذه المقالة مُصرح بإعادة نشرها من موقع thirdmill.org