التوقعات

إن التطوُّر التاريخي لوظيفة الكاهن أدّى إلى خلق توقُّع لدى الناس بأنه في المستقبل ستستمر وظيفة الكاهن في التوسُّط بين الله وشعبه، حتى يُقبَل الناس أمام الله ويستطيعوا الدخول إلى حضرة الله المُقدَّسة. وقد رأينا أن يسوع أتمّ هذه التوقُّعات بالقيام بمهمات وأعمال وظيفة الكاهن. وهكذا، في هذا القسم من درسنا، سنركِّز انتباهنا على الطريقة التي بها أتمّ يسوع نبوّات العهد القديم بشأن مستقبل الوظيفة الكهنوتية.

سينقسم نقاشنا إلى ثلاثة أجزاء.

أولاً، سننظر إلى النبوّة المتعلِّقة برئيس الكهنة العظيم.

ثانياً، سنفحص النبوات المتعلقة بعمل الكاهن العظيم كملك.

وثالثاً، سننظر إلى النبوة القائلة إن شعب الله سيصير مملكة كهنة.

 

رئيس الكهنة العظيم

بطرقٍ عديدة، وفي بعض الأحيان بشكل واضح وصريح، أنبأ العهد القديم بأنه سيأتي رئيس كهنةٍ عظيم مستقبلي يعلِن العصر المسيحاني، وهذا الكاهن سيكون المسيح المنتظر نفسه. وبحسب المزمور المئة والعاشر، سيكون رئيس الكهنة العظيم هذا على رتبة ملكي صادق، أي أنه لن ينحدر من هارون. كما أنه سيبقى في مركزه هذا إلى الأبد، أي أنّ موته لن يمنعه من إتمام عمله. وبحسب كاتب العبرانيين، فإن كل هذه النبوّات تحقَّقت في يسوع. تقتبس عبرانيين 7: 21-22 من المزمور 110: 4، وتعلِّق عليه كما يلي:

أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ". عَلَى قَدْرِ ذلِكَ قَدْ صَارَ يَسُوعُ ضَامِناً لِعَهْدٍ أَفْضَلَ. (مزمور 110: 4)

 

قال كاتب العبرانيين إنه حين أقسم الله بأن يكون المسيح المنتظر كاهناً إلى الأبد قصد أن رئيس الكهنة العظيم المستقبلي سيكون المسيح المنتظر، الذي سيأتي بالعهد الجديد. وبحسب هذا المقطع أيضاً في عبرانيين، فإن يسوع هو رئيس الكهنة العظيم ذاك.

في الحقيقة، تذكر رسالة العبرانيين دور يسوع باعتباره رئيس الكهنة العظيم هذا عشر مرات على الأقل. وهي تشير بشكلٍ منتظم إلى يسوع بصفته المسيح أو المسيا، وهي تقول بكل وضوح في الفصول 8 و9 و12 إنه هو مَن يأتي بالعهد الجديد وضامنه. الرسالة إلى العبرانيين تفوق أي كتاب آخر في العهد الجديد في إثبات أن يسوع يتمِّم توقُّعات العهد القديم بشأن رئيس الكهنة العظيم بشكلٍ لا يقبل الجدل والشك.

التوقُّع الثاني في العهد القديم الذي أتمّه يسوع هو أن رئيس الكهنة العظيم سيحكم كملك.

 

الكاهن ملكاً

رأينا أنّه منذُ زمن آدم وحتى إبراهيم، وظيفتا الكاهن والملك متّحدتان في الشخص نفسه. ومع أنّهما انفصلتا في زمن الملكية في إسرائيل، فإن العهد القديم أنبأ بأنهما ستعودان وتتوحّدان في شخص المسيح المنتظر. هذا ما نقرأه واضحاً في المزمور 110: 2-4، وزكريا 6: 13.

وقد رأينا في هذا الدرس ودروسٍ سابقة أنه حين أتى يسوع بصفته المسيح المنتظر، قام بوظيفتي الملك ورئيس الكهنة. وهذا يرِد بوضوح في مقاطع مثل مرقس 8: 29، ولوقا 23: 3، وعبرانيين الفصلين 8 و9.

قبل أن أتى يسوع، خدم الكهنة، أبناءُ هارون، شعبَ الله مدةً فاقت الألف سنة. ولكنّ خدمتهم كانت تشير دائماً إلى ما يتجاوزهم – إلى المسيح الآتي، الذي سيكون كاهناً وملكاً. وفي الحقيقة، بحسب أعمال 6: 7، آمن كثيرون من الكهنة في أورشليم وإسرائيل بأن يسوع هو المسيح المنتظر، وصاروا أتباعاً له. ولأن يسوع لم يؤسِّس كهنوتاً جديداً مستقلاً ولا أكّد الخدمة الدائمة للهيكل والكهنوت الهاروني، فإن الدعم الذي تلقاه يسوع من كهنة شعب إسرائيل يشير إلى أن هؤلاء الكهنة فهموا تعليم العهد القديم القائل إنه حين يأتي المسيح المنتظر سيوحِّد وظيفة رئيس الكهنة والملك في شخصه. وكما رأينا، كان هذا ما عمله يسوع بالضبط.

التوقُّع الثالث الذي أُنبئ به هو أنّ تتميم نبوة رئاسة الكهنوت في يسوع سيقود إلى صيرورة شعب الله مملكة كهنة.

 

 

 

مملكة كهنة

رأينا سابقاً أن خروج 19: 6، وإشعياء ا61: 6 أنبآ بوقتٍ سيصبِح شعب الله فيه أمّة كهنة أو مملكة كهنة. فسيخدمون في حضرة الله المُقدّسة بقيامهم بالأعمال الموكَلة إليهم، وتقديم ذبائح الشكر والتسبيح والطاعة، والقيام بأعمالٍ كهنوتية أخرى. والأمر اللافت للنظر في عظة يسوع المُدوّنة في لوقا 4 هو أن الرب اقتبس من إشعياء 61، وقال إنّه كان يتمِّمها. وهكذا، أشار يسوع إلى أنّه سيحوِّل شعب الله إلى مملكة كهنة. وبحسب مقاطع أخرى في العهد الجديد، فقد كان هذا هو ما عمله بالضبط.

على سبيل المثال، في 1 بطرس 2: 5، أشار بطرس إلى الكنيسة بالكهنوت المقدس، وفي العدد التاسع دعا الكنيسة الكهنوت الملوكي. ونجد هذه الفكرة ذاتها في رؤيا 1: 6، و5: 10، و20: 6. وكمثال على هذا، استمع إلى الكلمات التالية عن يسوع في رؤيا 1: 6:

وَجَعَلَنَا مُلُوكاً وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ. (رؤيا 1: 6)

 

يسوعُ، باعتباره المسيح المنتظر، هو رئيس الكهنة الذي يحكم ملكاً، ويعيِّن كل أتباعه ليخدموا كهنةً في ملكوته.

 

أحد الأمور التي يعلّمنا إيّاها العهد القديم هو أن الشخصيّات الدينيّة الرئيسيّة هم الكهنة. ونرى في العهد الجديد أنّ الأمر لم يعد محصوراً بشريحةً من المسيحيين إنّما صار كلّ المؤمنين كهنةً الآن. هذه الحقيقة كثيراً ما نعبّر عنها بالعبارة المألوفة، كهنوت كلّ المؤمنين. وتمّ التشديد على هذه النقطة على أن جميع المؤمنين هم مدعوّون ومفوّضون للخدمة، ليكونوا يدّي يسوع، وقلبه، ورجلَيه، وجسده. وهذه حقيقة تمنحنا قوّة عظيمة. وإحدى النتائج التاريخيّة المثيرة لاقتناء هذه الحقيقة المذهلة هي أنّه لم يعد أحدٌ بحاجة بالضرورة لأن يقوده إنسانٌ آخر أو أن يكون هناك وسيطً آخر بينه وبين الله. وكلّ نظام يضع وسيطاً بينك وبين الله هو مملوء بفرص الاستغلال، والسيطرة الاجتماعية واستعباد الآخرين. فهذه بالتالي حقيقة مشجّعة، محرّرة، تحفظ الكرامة، إلّا أنّها لا تنتقص بأي شكلٍ من الأشكال من الحقيقة المكمّلة لها وهي أنّ الله قد وهب جسده شتّى المواهب، وأنّ بين المواهب هذه موهبة ينبغي أن أقدّرها في الذين يقومون بالخدمة من خلال موهبة الرعاية المعطاة لهم. موهبة الرعاية تتطلّب قلباً غير اعتياديّ. تتطلب قلباً ومهاراتٍ للقيادة والإرشاد والتشجيع والتعزية. ليس الأمر في الوقوف بين أي أحد وبين الله. ليس الأمر في الانتقاص من حقّ الآخرين في تفسير الكتاب المقدس بينما الله ينير عقولهم وحدهم وهم يقومون بعملهم الصالح ويدرّبون أنفسهم على هذه المهمّة. بل هي نعمةٌ توفّرت لنا لتساعدنا في مشوار حياتنا حيث كلّ واحدٍ منّا هو كاهن، وكلّ من هؤلاء الكهنة يحترم ويقدّر الدور الرعوي (العناية الرعوية).

د. غلِن سكورجي

 

تَتْميمُ يسوعَ لوظيفةِ الكاهِنِ يُذَكِّرُنا بِأَنَّ مَقاصِدَ اللهِ الأصْلِيَّةَ في الخَليقَةِ قَدْ تَعَقَّدَتْ بِفِعْلِ الخَطِيَّةِ، دونَ أنْ تُلغَى أو تُهزَم. مَجيءُ يسوعَ وتَتْميمُهُ الدقيقُ لِلْمُتَطَلِّباتِ الكَهْنوتِيَّةِ تُرينا أمانَتَهُ وإخلاصَهُ لِخُطَّةِ اللهِ الصالِحَة. مَسؤوليَّةُ يسوعَ الكَهْنوتِيَّةُ، ومَعْناها الأسْمى يُظْهِرانِ مَرْكَزِيَّةَ يسوعَ في تَتْميمِ خُطَّةِ الله. ويسوعُ باعتِبارِهِ رئيسَ الكَهَنَةِ العَظيمَ الذي يَحْكُمُ مَلِكاً يُتَمِّمُ النواحِيَ الأصْلِيَّةَ والمُتَوَقَّعَةَ لِلْخِدمَةِ الكَهْنوتِيَّة. وهكذا، فإنَّنا كَشَعْبِ اللهِ لَدَينا سَبَبٌ عَظيمٌ لإكْرامِ يسوعَ وعِبادَتِهِ وخِدْمَتِهِ بِكُلِّ وَلاءٍ بِصِفَتِنا مَمْلَكَةَ كَهَنَتِه.

قُمنا حتى الآن باستكشاف خلفية العهد القديم لوظيفة الكاهن وتتميمها في يسوع. ولذا، فإننا الآن مستعدّون للنظر إلى التطبيق المعاصر لكهنوت يسوع. ما المعاني التي يحملها دور يسوع كرئيس كهنتنا العظيم لحياتنا اليوم؟

 

 

لقراءة هذه السلسة من المقالات (الجزء الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر ، الثاني عشر)

هذه المقالة مُصرح بإعادة نشرها من موقع thirdmill.org