سننظر إلى التطبيق المعاصر لعمل المصالَحة الذي أتمّه المسيح بعمله الكهنوتي، وذلك في ثلاث نواحٍ.

أولاً، سنرى أن هذا العمل أعطانا السلام مع الله.

ثانياً، سننظر إلى الوحدة التي يعزّزها هذا العمل.

وثالثاً، سننظر إلى الرسالة التي يوكِلها إلينا. لننظر أولاً إلى سلامنا مع الله.

 

السلام

 

حين يصالحنا يسوع مع الله، فإنّه يجعلنا في سلام مع الله. قبل المصالحة، جعلنا تمرُّدنا وعصياننا على الله أعداءً له، كما نقرأ في مقاطع مثل رومية 5: 10، وأفسس 2: 2. في ذلك الوقت، كُنّا نستحق عدل الله وعقابه. ولكن بمصالحتنا مع الله، أنهى يسوع حالة العداوة هذه. فقد أوفى بمطالب عدل الله وأبطل عقابه، وأحلَّ السلامَ بيننا وبين الله.

والآن، بعد أن كُنّا أعداءً لله، صرنا أولاده الذين يُحبّهم ومواطنين أمناء في ملكوته. هذا يعني أننا لسنا مُضطرين أن نخاف الله كما نخاف الأعداء. ولم يعُد علينا أن نفكِّر بأنه يريد أن يُهلِكنا. حياتنا مخفية في المسيح، ولذا، فإنّ السلام القائم بين الله الآب والله الابن هو موجود أيضاً بيننا وبين الله. وينبغي لهذا النوع من السلام أن يحرِّك قلوبنا لتسبِّح، وأيدينا لتعمل، وأذهاننا لتسعى للمعرفة أكثر وأكثر عن إلهِنا العظيم. استمع إلى ما يقوله الرسول بولس عن هذا الأمر في كولوسي 1: 19-22:

لأَنَّهُ فِيهِ [يسوع] سُرَّ انْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاً الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ ... وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً اجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْرِ، فِي الأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْتِ، لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى امَامَهُ. (كولوسي 1: 19-22)

 

إنّ مسألة أنّ " لنا سلاماً مع الله"، لا جدل فيها، هي واضحة كلّ الوضوح. ما الغاية إذاً من تأديب أولاده، تأديب المؤمنين؟ أظنّ أنّ الجواب هو بكلّ بساطة لأنّه يحبّنا. أن يكون لنا سلامٌ مع الله يعني أنّنا استرجعنا علاقتنا به؟ لقد خُلقنا لنعرف الله، ونخدمه، ونحبّه، ونطيعه، ونعرفه عن كثب. لكنّ خطايانا سلختنا عن ذلك كلّه. والخلاص أعادنا مجدّداً-السلام، والمصالحة، وصورٌ أخرى أيضاً تعبّر عن الخلاص-أعادنا وصار لنا الآن علاقةٌ به. عندما نخطئ هو يحبّنا لدرجة انّه لا يسمح لنا أن نبتعد عنه، بل يؤدبنا ويردّنا إليه. وهذه هي الصورة التي يصوّرها الكتاب المقدّس، تأديب الأب لولده. فأنا لا أكون اهتمّ بأولادي وأحبّهم إن تركتهم يقومون بما يؤذيهم، بأمورٍ لا تتوافق مع ما أمرتهم به. إنّ أبانا الذي في السماء، يؤدبنا من خلال الرب يسوع المسيح لكي نصير على صورة المسيح. فذلك لصالحنا. وبالتالي علينا أن نقلق إن كنّا لا نختبر تأديب الله. فالتأديب ليس أمراً مكروهاً بل على العكس إنّ التأديب أمرٌ جيّدٌ، يدلّ بشكلٍ واضح على محبّة الله لأولاده.

 د. ستيفين وِلَم

 

ينبغي للسلام الذي لنا مع الله أن يحرّك قلوبنا لنسبِّحه ونشكره على إحسانه العظيم نحونا. وينبغي أن يشجّعنا هذا السلام لنتكلّم إلى الله ونتحدث عن صفاته في الصلاة. كما ينبغي أن يدفعنا للتأمُّل بالأمور العظيمة التي عملها في حياتنا، ونفكِّر بطرقٍ جديدة يمكننا أن نعبِّر من خلالها عن محبتنا له ونطيعه. كما ينبغي أن يضع فينا الرغبة لنشجع الذين حولنا بتذكيرهم بالسلام الذي يتمتَّع به المؤمنون مع الله، ونخبِّر غير المؤمنين بأنّهم هم أيضاً يستطيعون أن يتصالحوا مع الله.

كما ينبغي لسلامنا مع الله أن يدفع أيدينا إلى العمل. ينبغي أن نكون في علاقة سلام مع الآخرين. وينبغي أن نُظهِر بركات ملكوت الله المُتّصِف بالسلام والمُصالحة من خلال العدالة الأخلاقية والاجتماعية والعناية بالمحتاجين والمساكين. وينبغي أن نقدِّم المشورة والتعزية لأصحاب القلوب المجروحة والمكسورة لانعدام وجود السلام والبركة في حياتهم.

كما ينبغي لسلام الله في حياتنا أن يدفعنا للمعرفة أكثر فأكثر عن إلهِنا ومخلِّصنا العظيم وفهمه أكثر فأكثر أيضاً. تُخبِرنا كلمته بأنه ينبغي أن تتغيَّر أذهاننا لتشاكِل طريقة الله في التفكير، وأن نسترخي بسلامٍ وهناء في كفايته، غير قلقين من إمكانية أن يتركنا الله للعالم، ولكنْ بأنْ نبقى واثقين بمعرفة أنّه يُحِّبنا ويهتمّ بنا.

الطريقة الثانية التي يمكن بها أن نطبِّق في حياتنا خدمة المُصالَحة الكهنوتية التي أجراها يسوع هي في إظهار الانسجام والوحدة في شعب الله.

 

الوحدة

أحد المواضيع المتكرِّرة في العهد الجديد فكرة أن الذين يحبّون الله سيحبون الناس الذين يحبُّهم الله. كما نقرأ في 1 يوحنا 4: 21:

مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضاً. (1 يوحنا 4: 21)

 

حين يتصالح الله مع شخصٍ ما، ينبغي لنا أن نتصالَح نحنُ أيضاً مع ذلك الشخص.

لهذا حثّ الرسول بولس قراءه على أن يدرِكوا القيمة العظيمة للمُصالَحة التي نالوها من الله، وأن يعبِّروا عنها بالوحدة مع المؤمنين الآخرين. وفي الكنيسة الأولى، طبَّق الرسول هذه الفكرة على العلاقة المتوتِّرة ما بين اليهود والأمم في الكنيسة. استمع إلى ما قاله الرسول بولس في أفسس 2: 13-16:

وَلَكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً بَعِيدِينَ صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ ... لِكَيْ يَخْلُقَ الِاثْنَيْنِ [اليهود والأمم] فِي نَفْسِهِ إِنْسَاناً وَاحِداً جَدِيداً، صَانِعاً سَلاَماً، وَيُصَالِحَ الِاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ. (أفسس 2: 13-16)

 

كما نجد تشديداً شبيهاً على الوحدة في مقاطع مثل يوحنا 17: 23، ورومية 15: 5، وأفسس 4: 3-13.

نادراً ما تواجه الكنيسة المعاصرة قضية العلاقة الصحيحة بين اليهود والأمم. ولكنّ لدينا مشاكل شبيهة بهذه المشكلة. فنحنُ نعاني من العداءات العرقية والقومية بين المؤمنين. وتستطيع خدمة يسوع في المصالحة أن تساعدنا في السعي إلى الوحدة في هذه النواحي. كلّنا تصالحنا مع الله وتصالحنا بعضنا مع بعض من خلال اتّحادنا بيسوع المسيح. وينبغي التعبير عن هذه الوحدة في علاقاتنا في الكنيسة. ينبغي للمصالَحة أن تجعلنا نرغب بقصد الله بكنيسةٍ مُوحَّدة ونسعى إلى تحقيقة، مع أن هذا قد يعني أحياناً ترك الأمور التي تميِّزنا عن الآخرين.

بالإضافة إلى السلام والوحدة، يمكننا أن نرى تطبيقاً ثالثاً لخدمة مصالحة يسوع الكهنوتية، وهو أنّنا أعطينا رسالة تتميم خدمة المُصالحة في العالم.

 

الرسالة

خدمة مصالحة يسوع الكهنوتية غير مكتمِلة بعدُ. فقد أسست ذبيحته المصالَحة وضمنتها، ولكن تلك المُصالَحة لم تصل إلى كل العالم بعدُ. ولذا، في هذه المرحلة من التاريخ، عيَّن يسوع الكنيسة لتنشر خدمة المصالحة التي وفَّرها بذبيحته. نحنُ سفراء مصالحته، وعملنا هو إعلان بشارة الإنجيل التي بها يتصالَح الخطاة مع الله. استمع إلى الطريقة التي يصف بها بولس رسالته في 2 كورنثوس 5: 18-20:

الله ... صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ، أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحاً الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعاً فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ. إِذاً نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ. (2 كورنثوس 5: 18-20)

 

المناداة بالمصالحة مع الله لا تزال خدمة ضرورية وأساسية للكنيسة. يقول الرسول بولس لمؤمني كورنثوس إن الله صالحنا لنفسه من خلال المسيح، وأنه مستمرّ في مصالحة كل العالم إلى نفسه. ومسؤوليتنا، كأتباع المسيح وتلاميذه، أن نُعلِن هذه الرسالة إلى الآخرين، حتى يمكِنهم أن يتصالحوا مع الله من خلال المسيح. ونحنُ نعمل هذا بشكلٍ أساسي بإعلان الأخبار السارة بأنه من خلال حياة يسوع وموته وقيامته وصعوده، يمكن للخطاة أن يجدوا السلام مع الله.

بعد أن نظرنا إلى خدمة يسوع الكهنوتية باعتبارها ذبيحة ومصالحة، علينا الآن أن نتحوَّل إلى التطبيق المعاصر لخدمة تشفُّع يسوع الكهنوتي.

لقراءة هذه السلسة من المقالات (الجزء الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر ، الثاني عشر)

هذه المقالة مُصرح بإعادة نشرها من موقع thirdmill.org