
طبيعة المسيح >
عمل المسيح الكهنوتي (ج7)
خدمة الألفية الثالثة
11/18/20 - ٥ دقيقة قراءة
في هذه المقال سنقوم باستكشاف عمل المسيح ككاهن في إطار الأدوار الكهنوتية التي نظرنا إليها في خلفية العهد القديم.
أولاً، القيادة الكهنوتية لشعب الله.
ثانياً، الطقوس الكهنوتية.
ثالثاً، التشفُّع الكهنوتي.
القيادة
مع أن ثمّة نواحي كثيرة في قيادة يسوع يمكن الإشارة إليها، فإننا سنركِّز على النواحي الثلاث التي ذكرناها في حديثنا عن خلفية العهد القديم لوظيفة يسوع الكهنوتية، بدءاً بقيادته العبادة.
يسوع، بصفته مَن سيُرفَّع ويُعيَّن رئيس الكهنة العظيم، عمل أموراً كثيرة لتعزيز العبادة الحقيقية والروحية في أمّة إسرائيل ووسط أتباعه. فمثلاً، في متّى 21: 12-13، طرد التجّار والصيارفة من الهيكل لأنهم حوَّلوا بيت الصلاة، بيت الله، إلى مغارة لصوص.
ولكن الأمر الأكثر أهمية هو أنّه فتح الطريق للمجيء إلى الله في مقدِس الهيكل السماوي. في العهد القديم، كانت خيمة الاجتماع، والهيكل لاحقاً، المكانين اللذين فيهما تتقابل وتتقاطع السماء مع الأرض. كانا موقعين خاصّين وكان العابدون فيهما على الأرض وفي الوقت نفسه في بلاط الله السماوي. ولكن في العهد الجديد، صارت هذه المهمة من مسؤولية يسوع. ولذا، بدلاً من الذهاب إلى بناءٍ خاصّ للدخول إلى بلاط الله السماوي، يأخذنا يسوع شخصياً إلى هناك. فمن خلاله، قُبِلنا في محضر الله المُقدَّس الخاصّ، حيث ننال بركة الشركة معه. استمع إلى الطريقة التي تتحدَّث بها عبرانيين 10: 19-22 عن هذا الأمر:
فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ، طَرِيقاً كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثاً حَيّاً، بِالْحِجَابِ، أَيْ جَسَدِهِ، وَكَاهِنٌ عَظِيمٌ عَلَى بَيْتِ اللهِ، لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِقٍ فِي يَقِينِ الإِيمَانِ. (عبرانيين 10: 19-22)
كما نرى في يسوع قيادةً كهنوتية على شكل إرشادٍ خاصّ في الشؤون المدنية والطقسية.
فمثلاً، في متّى 12: 1-8، أصدر يسوع حكماً كهنوتياً حين اتُّهِم تلاميذه بالتعدِّي على السبت. وفي مَرقُس 7: 19، أصدر حكماً بشأن الطهارة الطقسية للطعام. وبعد شفاء الأبرص في متّى 8، أعلن إعلاناً كهنوتياً بأن الرجل طاهر طقسياً، وأمر بأن يذهب إلى الهيكل ليقدِّم الذبيحة المناسبة. ومع أن يسوع أمر الأبرص الذي شُفي بأن يُري نفسه للكهنة، فإن ذلك لم يكن بقصد أن يحكموا على حالته، ولكن بحسب متّى 8: 4، كان هذا الأمر ليكون الشفاء شهادةً على قوة يسوع المسيح وسلطانه.
النوع الثالث من القيادة الكهنوتية الذي تحدَّثنا عنه هو التعليم. ويسوع تمّم هذا العمل أيضاً.
وُجِد في شعب إسرائيل أنواعٌ عديدة من المُعلِّمين. فالأنبياء كانوا مُعلِّمين أعلنوا عهد الله وإرادته. والأهل كانوا يعلِّمون أولادهم. والرابيون والشيوخ كانوا يعلِّمون جماعاتهم. ولكن الكهنة كانوا مهتمين بشكلٍ خاصّ بتعليم التوبة والأمانة والإخلاص حتى يُقبَل شعب الله في حضرة الله. ونرى مثلاً على هذا في نحميا 8. وكثيراً ما كان تعليم يسوع بمثابة عمل كهنوتي أيضاً. فمثلاً، وضّح يسوع في العظة على الجبل، في متّى الفصول 5 إلى 7، أن القصد والتطبيق الحقيقيَين لشريعة الله هما قيادة الذين يسمعونه إلى الأمانة لعهد الله. وقد كانت التوبة والأمانة "اللازمتَين" المتكرّرتين في تعليمه، كما نرى في مقاطع مثل متّى 4: 17، ولوقا 5: 32، ويوحنا 14: 15-24.
والآن، بعد أن رأينا أنّ يسوعَ أتمَّ دور القيادة في خدمته الكهنوتية، لنلقِ نظرة إلى تتميم دور أداء وإقامة العبادة الكهنوتية.
الطقوس
لا شك أن موت يسوع على الصليب كان الناحية العبادية الأعظم في خدمته الكهنوتية.
شارَكَ يسوعُ في طقوسِ شَعْبِ إسرائيل. وفي الحَقيقَةِ، الكثيرُ مِنْ هَذِهِ الطقوسِ مَذْكورٌ في إنجيلِ يوحنا. ولكنْ لَمْ تُنجِزْ أيٌّ مِنْ هذِهِ الطُقوسِ الفِداءَ لِشَعْبِ اللهِ باسْتِثْناءِ ذَبيحَةِ المسيحِ على الصليب. لا شكَّ أنَّ صَلْبَ المسيحِ كانَ أعظمَ ناحِيَةٍ طَقْسِيَّةٍ في خِدْمَتِهِ الكَهْنوتِيَّة. كانَ ناموسُ موسى يَتَطَلَّبُ الطاعَةَ مِنْ شَعْبِ إسرائيلَ، لَكنْ إذ عَرَفَ الله أنَّ الشَعْبَ سَيَسْتَمِرُّ في العِصيانِ، أَمَرَهم بأنْ يُقَدِّموا ذَبائِحَ لله ليكفّروا عن خطاياهم. وبالرُغمِ مِنَ الأهَمِّيَّةِ العَظيمةِ لهذه الذبيحَةِ، كانَ يَنْبَغي تَقديمُها بِشَكلٍ مُتَكَرِّرٍ سَنَةً بعدَ سَنَةٍ، إذْ لَمْ تَكُنْ أيٌّ مِنْها قادِرَةً على أنْ تَرْفَعَ خَطيَّةَ إسرائيلَ وتَحُلَّ مُشْكِلَتَها بِشَكْلٍ تامّ. ولذا، أتَى يسوعُ وقَدَّمَ نَفْسَهُ ذَبيحَةً كامِلَةً للخَطيَّة. ذبيحةُ المسيحِ الكَفّاريَّةُ أتَمَّتِ الخَلاصَ وَحَقَّقَتِ الفِداءَ، وَهُوَ ما لَمْ تَسْتَطِعْ ذَبائِحُ وَقَرابينُ شَعْبِ إسرائيلَ أنْ تُنْجِزَهُ قَطّ. وبِهذا، فَقَدْ أَتَمَّ يسوعُ تَوَقُّعاتِ شَعْبِ إسرائيلَ بِشَأْنِ الوَظيفَةِ الكَهْنوتِيَّةِ مِنْ خِلالِ ذَبيحَتِهِ الكامِلَةِ والوَحيدَةِ لأجْلِ الخَطيَّة.
في الواقع، إنّ ذبائح العهد القديم اشارت مسبقاً إلى اليوم الذي فيه ستكون هناك ذبيحة واحدة لمغفرة الخطايا. ويصف لنا الكتاب المقدّس أنّ المسيح على الصليب جسّد دور الذبيحة المقدّمة عن الخطية لكن أيضاً دور الكاهن الذي يقدم تلك الذبيحة. بمعناً آخر لقد تمّم كلّاً من هذين الدورين. صار حمل الله الذي يحمل خطايا العالم. لكنّه في آنٍ صار الكاهن الذي يقدّم نفسه ليجعل منها ذبيحة تكون خاتمة كلّ الذبائح الأخرى.
د. سايمن فايبرت
إنّ العلاقة بين موت يسوع وذبائح العهد القديم يمكن أن نفصّلها بشتّى الطرق. في جوهرها كانت ذبائح العهد القديم جزءاً من العهد الذي أعطاه الله لشعب إسرائيل. فنظام الذبائح كان وسيلة الشعب للتخلّص من الخطية ولترتدّ عنهم دينونة الله. كانت هناك ثمّة علاقة بين الله وشعبه آنذاك. ونحن نقول إنّ تلك الذبائح كانت رموزاً، كانت نماذج تشير إلى أمرٍ أعظم. فحتّى في العهد القديم نرى الكثير من التلميحات إلى كون تقدمة ذبائح الحيوان غير كافية قط لإزالة الخطية. لم ترد مطلقاً كالسبيل للتخلّص نهائيّاً من الخطيئة. كانت نماذج عن أعظمٍ سيأتي. كانت تشير إلى ذبيحة المسيح الذي على غرار هذه الذبائح سوف يقدّم نفسه عنّا، ويحلّ محلّنا. وذبيحته أعظم بكثير لأنّ الدم الذي يسفك هو دم إنسان. هو أخذ طبيعتنا البشريّة. بينما الذبائح الحيوانية لم تفعل. ورغم ذلك، هو لا يزال ابن الله، ابن الله المتجسّد، لكي يقوم الآن بإتمام شروطه التبريريّة بطرح خطيتنا جانباً كممثّلنا، كبديلنا وكاهننا. ويحقق كلّ ما كانت قد أشارت إليه تلك الذبائح، ويعيدنا إلى علاقةٍ مع الله ويردّنا إلى ما خلقنا الله لنكونه منذ البداية شعبه الذي يحيا له ويخدمه، لنكون على مستوى الدور والمهمة كأفراد مخلوقين على صورته في هذا العالم.
د. ستيفين وِلَم
لقراءة هذه السلسة من المقالات (الجزء الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر ، الثاني عشر)
هذه المقالة مُصرح بإعادة نشرها من موقع thirdmill.org