
طبيعة المسيح >
التحقيق الكهنوتي في يسوع (ج6)
خدمة الألفية الثالثة
11/25/20 - ٥ دقيقة قراءة
التحقيق في يسوع
ينبغي أن نبدأ بالإشارة إلى أن الأناجيل ورسائل العهد الجديد تتكلّم بوضوح عن كون يسوع تمَّم توقُّعات العهد الجديد المتعلِّقة بالوظيفة الكهنوتية. فمثلاً، نقرأ في عبرانيين 3: 1 هذا التأكيد الواضح على خدمة يسوع الكهنوتية:
لاَحِظُوا رَسُولَ اعْتِرَافِنَا وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ الْمَسِيحَ يَسُوعَ. (عبرانيين 3: 1)
وتعبِّر عبرانيين 4: 14 عن الأمر بالكلمات التالية:
فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ ... يَسُوعُ ابْنُ اللهِ. (عبرانيين 4: 14)
يسوع المسيح، رئيس كهنتنا العظيم هو الذي يتوسَّط بيننا وبين الله، حتى نُقبَل في محضر الله المُقدَّس الخاص. هو من يضمن لنا أن نكون مُقدَّسين ومكرَّسين لله، حتى نستطيع أن نحيا في محضر الله وننال بركات عهده.
سنستكشف تحقيق الوظيفة الكهنوتية في يسوع بالنظر إلى الفئات والتقسيمات التي استخدمناها في الحديث عن خلفية العهد القديم. أولاً، سننظر إلى الطريقة التي ظهرت بها مؤهلات يسوع لهذه الوظيفة. ثانياً، سننظر إلى قيامه بمهمات وأعمال هذه الوظيفة. وثالثاً، سننظر إلى الكيفية التي بها تمّت التوقُّعات المرتبطة بوظيفة الكاهن. لننظر أولاً إلى مؤهلات يسوع لوظيفة ومركز الكاهن.
المؤهلات
أشارَ كثيرون إلى أنَّ يسوعَ لَمْ يَخْدُمْ في الهَيْكلِ أو يُقَدِّمْ الخدماتِ الليتورجيّة، وبأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ نَسْلِ هارون. إذاً، لِماذا يَقولُ كُتّابُ العهدِ الجديدِ إنّ يسوعَ أدّى وظائفَ وخدماتٍ كَهْنوتيَّةَ؟ وما الذي جَعَلَهُ مُؤَهَّلاً لِوظيفَةِ الكاهِن؟ بِبَساطَةٍ نَقولُ إنّ يَسوعَ كانَ مؤهَّلاً لِهذِهِ الوَظيفةِ لأنَّهُ كانَ تَتْميمَ رَجاءِ العهدِ القديمِ بكاهِنٍ مَلَكِيٍّ يُعَيِّنُهُ اللهُ ليُتَمِّمَ كُلَّ الخدَماتِ الكَهْنوتِيَّة.
سننظر إلى مؤهِّلات يسوع ككاهن ضمن إطار المؤهّلات المُشار إليها في خلفية العهد القديم لوظيفة الكاهن. سنشير أولاً إلى أن يسوع عُيِّن كاهناً من الله. وثانياً، سنرى أنه كان أيضاً وفياً لله. ولننظر أولاً إلى حقيقة أن يسوع مُعيَّن من الله.
التعيين من الله
تتكلَّم عبرانيين 5: 4-10 بوضوح عن أن الله عيَّن يسوع رئيسَ كهنة. استمع إلى ما يقوله:
وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُّوُ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضاً. كَذَلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضاً لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ... مَدْعُّواً مِنَ اللهِ رَئِيسَ كَهَنَةٍ. (عبرانيين 5: 4-10)
ولأن الله هوَ مَن عيَّن يسوع، فمن المؤكَّد أن يسوع كان يتمتَّع بالمؤهِّلات المطلوبة. وفي الوقت نفسه، علينا أن نعترف أن هذا التعيين كان غير اعتيادي، لأن يسوع لم يكن منحدراً من نسل كهنوتي لاوي. تذكَّر أن الله في بداية حقبة العهد القديم سمح لأنواعٍ عديدة من الناس بأن يكونوا كهنةً. وفي نهاية العهد القديم، حصر الكهنوت في نسل صادوق. ومع هذا، فإن تعيين يسوع كاهناً ليس أمراً غير اعتيادي كما يبدو في البداية.
في جنة عدن، عُيِّن آدم ليحكم على الأرض كملكٍ تابعٍ لله. ولكن حُكمه كان خدمة كهنوتية أيضاً كانت تهدف لتحويل العالم إلى مكانٍ مناسب لحضور الله المجيد. وقد كانت وظيفتا الكاهن والملك مرتبطتين ارتباطاً وثيقاً بالملوك في حقبة الحكم الملكي في شعب إسرائيل.
وبطريقة مشابهة جداً، يسوع كاهن ملكي. فهو يحكم كملكٍ كامل تابع لله. ولكن حُكْمه هو أيضاً خدمة كهنوتية تُعِدُّنا وتُعِدّ الأرض لحضور الله الخاصّ والمجيد. وبهذه الطريقة، أتمّ المسيح ما فشل آدم وبقية نسله في عمله. استمع مرةً أخرى إلى ما يقوله داود عن المسيح المنتظر العظيم في المزمور 110: 1-4:
قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ. يُرْسِلُ الرَّبُّ قَضِيبَ عِزِّكَ مِنْ صِهْيَوْنَ. تَسَلَّطْ فِي وَسَطِ أَعْدَائِكَ... أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ: أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ. (مزمور 110: 1-4)
في هذا المقطع، المسيح المنتظر، الذي يدعوه داود ربّي، يوصَف بسماتٍ ملكية: قضيب عزّك وتسلَّط وبكونه كاهناً.
تتطلَّع نبوة داود إلى اليوم الذي فيه سيرتقي واحدٌ من نسله إلى هذا السمو الملكي العظيم الذي سيتمِّمه لا بخدمته الملكية فقط، ولكن بخدمته الكهنوتية أيضاً، مثلما عمل ملكي صادق. لهذا تشدِّد رسالة العبرانيين 7: 14 على حقيقة أن يسوع ينحدر من سبط يهوذا، السبط الملكي، لا من سبط لاوي الكهنوتي. وحقيقة كون يسوع الملك المنحدر من يهوذا ورئيس الكهنة العظيم هي دليل على أنه ابن داود الذي طال انتظاره، المسيح المُنتظَر.
يرجع ذلك الأمر إلى تكوين 14 إلى ملكي صادق، الذي ينعته الكتاب بالملك والكاهن على حدّ سواء، لأنّ ابراهيم قدّم عشوره وملكي صادق قبلها كما يقبل الكاهن العشور. إلّا أنّه في الوقت نفسه من الواضح أنه كان ملك شاليم. وتنشأ عن ذلك، على طول الكتاب المقدس، قصصٌ يجتمع فيها أحياناً لقب الملك والكاهن في شخصية واحدة. إنّه المزمور المئة والعاشر الذي فيه يشار إلى ملك على أنّه المشرف على البرّ. في الواقع، من الواضح أننّا نرى في ذلك مظاهر للحكم، فإذا كنت مشرفاً على البرّ، فأنت تشارك في دور الكاهن، لأنّ برّ الله هو إرادة الله أن يشمل البرّ العالم كلّه. وبالتالي إن كان الملك يشترك في هذا الأمر، فحتّى لو كان هناك كهنة تعيّنوا ليقوموا بهذا الدور، فإنّ الملك لا يزال يقوم بعملٍ كهنوتي. ثمّ، بالتأكيد، حين نأتي إلى المسيح، نشهد انبثاقاً لهذه الآراء، فنشير إليه كنبي وكاهن وملك. وفي الرسالة إلى العبرانيين، هو ملكي صادق الجديد. هو تجسيد في العهد الجديد لحقيقة ما كان الله في العهد القديم.
د. ستيف هاربر
بعد أن رأينا أن الله" هو مَن عيّن يسوع، نحنُ الآن مستعدّون للنظر إلى حقيقة أنه وفى بمتطلَّب الوفاء لله.
الوفاء لله
كما ذكرنا سابقاً، كان على الكهنة أن يُظهِروا مقداراً خاصّاً من الولاء لله بقصر العبادة والخدمة عليه، وبتتميم الواجبات التي أوكلها الله إليهم. وأحد أسباب واجباتهم تلك هو ضمان ولاء شعب الله وأمانتهم أيضاً له، على المستويين الأخلاقي والطقسي، حتى يتمكَّنوا من دخول محضر الله من دون خوف. كانت هذه إحدى الخدمات الرئيسية التي كان الكهنة يقدِّمونها.
وفّى يسوع بالمتطلَّبات نفسها وبشكلٍ كامل وتامّ. فقد كان دائماً يعبد الله وحده ويخدمه وحده. وكان دائمَ الطاعة لوصايا وأوامر الله. ومن خلال خدمة يسوع الكهنوتية، يستطيع أن يُعِدَّنا للدخول إلى محضر الله المقدَّس.
وبمعنى عامّ، نستطيع أن ننظر إلى المحتوى الكامل للأناجيل الأربعة كدليلٍ على ولاء يسوع لله. فقد حفظ وأتمّ المأمورية الموكَلة إليه من أبيه، ولم يتكلَّم إلا بما أعطاه أبوه ليقوله، ولم يعمل إلا ما رأى الآب يعمله. وهناك مقاطع أخرى عديدة في العهد الجديد تلخِّص هذه الأفكار بوضوح، مثل متّى 26: 42، ويوحنا 5: 19، 14: 31، 17: 4؛ وعبرانيين 7: 5-7.
ولاء يسوع الكامل لله ناحية مهمة في نجاحه كرئيس كهنةٍ عظيم. وبولائه الكامل لله فقط يستطيع أن يجعل أتباعه مُقدّسين تماماً، ويمكِّنهم من السكَن في محضر الله المُقدَّس والخاصّ طول الأبدية. ونجد أمثلة كثيرة على هذا في الكتاب المُقدس. فمثلاً، صلّى يسوع لأجل قداستنا في صلاته الكهنوتية في يوحنا 17: 19. وبحسب مقاطع مثل رومية 15: 16؛ و1 كورنثوس 6: 11، نرى أن الله استجاب هذه الصلاة بجعلنا مُقدَّسين في محضره.
بعدَ أن رأينا أن يسوع كان يتمتَّع بمؤهلات الكهنوت، نستطيع الآن الانتقال إلى الطريقة التي أتمّ بها مهمات وأعمال الكاهن.
لقراءة هذه السلسة من المقالات (الجزء الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر ، الثاني عشر)
هذه المقالة مُصرح بإعادة نشرها من موقع thirdmill.org