
طبيعة المسيح >
الطقوس التي يؤديها الكاهن (ج3)
خدمة الألفية الثالثة
11/15/20 - ٥ دقيقة قراءة
الطقوس
لعبت الأعياد المختلفة وشعائر السبت، والذبائح والقرابين دوراً مهمّاً جدّاً في حياة المؤمنين في العهد القديم. فقد كانت أوّلاً تذكّر إسرائيل بأنّ حياتهم كشعب الله هي هبة لهم. فعلى سبيل المثال، كان الفصح يذكرهم بأنهم كانوا يوماً ما عبيداً في مصر، وأنّ الله، وحده الله، قد أعتقهم. لكن لم يكن ذلك فقط لتذكيرهم بأنّهم قد صاروا أحرارا، بل أيضاً أن الله أعتقهم من عبودية مصر ليأتي بهم إلى سيناء حيث أقام معهم عهداً. إذاً الأعياد في حياة شعب إسرائيل كانت لتذكيرهم بأنّ الله قد دعاهم ليكونوا شعبه، ولتذكيرهم بالأعمال العظيمة التي قام بها الله ليخلّصهم. والسبوت كانت لتذكّرهم بأمرين اثنين، أنّ العالم هو ليهوه الله، هو صنع يديه، وهم لم يخلقوه بأنفسهم، وأيضاً أنّهم لم يحرّروا أنفسهم من العبوديّة. يقول موسى في كتاب الخروج: "احفظوا السبت، لأنّ الله استراح في اليوم السابع". وفي كتاب التثنية يقول موسى احفظوا السبت ليس لأنّ الله استراح في اليوم السابع فحسب، لكن لتتذكّروا أنكم كنتم يوماً عبيداً في مصر. فكلّ الأعياد كانت لتذكيرهم بما صنع الله ليفديهم، وبأنّهم الشعب الوحيد لله، بفضل صلاح الله وبفضل جود الله نحوهم، وبأن حياتهم تشكلت من خلال هذه الطقوس، وتبلور فهمهم لذواتهم، حتى يتجاوبون مع الله بأمانه ويثبتوا في حياة طاعة وثقة ومحبّة وخدمة.
د. ستيفين بليكمور
في أيام موسى، ولاحقاً في أيّام داود، كان الكهنة يقومون بعددٍ كبير ومتنوِّع من الطقوس تهدف لإعداد شعب الله للدخول إلى محضره الخاصّ والمُقدَّس. وقد شملت هذه الطقوس مواسم مُقدَّسة وأحداثاً مُقدَّسة وأشياء مُقدَّسة، كما نرى في مقاطع مثل لاويين 1 إلى 7 و23؛ وفي كتاب العدد 18 و19؛ وفي 1 أخبار الأيام 23؛ وفي 2 أخبار الأيام 8.
غالباً ما كانت الطقوس تتمحور حول مواقع مُقدَّسة، أماكن كان الله يظهر فيها بصورة خاصة، ويعبده شعبه هناك. فمثلاً، كانت مسؤولية الكهنة أن يعملوا على جعل منطقتَي خيمة الاجتماع والهيكل جميلتَين وكاملتَين قدر المستطاع، حتى تكونا مناسبتَين لسكنى الله هناك في مجده المرئي الخاصّ. نقرأ عن هذا في مقاطع مثل لاويين 24: 1-9، وكتاب العدد 3-4؛ وفي 1 أخبار الأيام 24: 25-32.
وكانت أوضح الأعمال الطقسية للخدمة الكهنوتية هي تقديم الذبائح والقرابين. كانت القرابين تشمل التعبير عن الشكر، واختباراتٍ للشركة، وكفارة عن الخطية. كانت بعض الذبائح والقرابين تُقدَّم في أوقاتٍ محدّدة منتظمة، مثلِ محرقات الصباح والمساء اليومية، وذبائح وقرابين يوم الكفارة السنوي. وكانت ذبائح وقرابين أخرى تُقدَّم استجابة لشروطٍ وظروفٍ معينة، مثل التوبيخ على خطية. وكانت هناك ذبائح وقرابين أخرى يتم تقريبها بحسب رغبة العابد، مثل قرابين السلامة الطوعية. ثمة قوائم عدة للذبائح والقرابين ترد في مقاطع مثل لاويين 1 إلى 7 و16. إحدى المهمات الطقسية للكهنة، وهي المهمة الأبرز في خدمة يسوع، تقديم القرابين والذبائح، خاصة ذبائح الكفّارة. ولذا سنركِّز معظم انتباهنا على هذا النوع من الذبائح.
كثيراً ما نَتَكَلَّمُ اليومَ عَنْ ذَبيحَةِ التَضحِيَةِ باعْتِبارِها التَخَلِّيَ عَنْ شيءٍ ثَمينٍ وَقَيِّمٍ بالنسبةِ لَنا لِنَحْصُلَ على أمْرٍ أكثرِ قيمةِ. ما يَجْعَلُ القُرْبانَ تَضْحِيةً هُوَ أنَّ العَطاءَ يُكَلِّفُنا شَيْئاً لَهُ قيمةٌ لَدينا. في العهدِ القديمِ، لَمْ يَكُنِ الناسُ يُقَدِّمونَ الذَبائحَ والقَرابينَ للهِ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلَيْها، وَلكنْ هَذه القرابينَ كانَتْ تُتيحُ لِشَعبِ اللهِ الفُرْصَةَ لأنْ يُعْطُوا شَيْئاً كانوا يَعْتَبِرونَهُ ثَميناً لِكَسْبِ أمْرٍ أَعظَمِ قيمَةٍ مِثلِ غُفرانِ خطاياهُم. كانَتِ القرابينُ والذَبائِحُ تَعْبيرَ عِبادَةٍ للهِ، وتَعبيراً عَنْ خُضوعِهِمْ لَهُ، بَلْ وَكانَتْ تَنْقُلُ شُكْرَهُمْ لَهُ عَلى عَطائِهِ وعِنايَتِه. طَبْعاً، كانَ يُفْتَرَضُ أنْ تَكونَ الذَبائِحُ والقَرابينُ تَعبيراً عَنِ الإيمانِ دائِماً، وَمُقَدَّمةً بِدوافِعَ سَليمةِ. حتّى أنَّ الرّبَّ رَفَضَ القرابينَ التي لَمْ تَكُنْ تُقَدَّمُ بِقَلبٍ نَقِيٍّ وَصادِقِ. وَقَدْ كانَتْ فاعِلِيَّةُ القرابينِ والذَبائحِ تَعْتَمِدُ دائِماً على إخلاصِ وصِدْقِ مُقَدِّمِ القُرْبانِ والذبيحَةِ لله.
كانت قرابين التكفير عن الخطية جزءاً مهماً من الخدمة الكهنوتية، حتى قبل الشرائع الطقسية الكثيرة التي أُعطيت لموسى. فمثلاً، في أيوب 1 نرى أيوب يقدِّم قرابين حيوانية عن أولاده خشيةً من أن يكونوا قد أخطأوا سهواً أو استهتاراً في احتفالاتهم معاً. وفي الحقيقة، قرابين وذبائح التكفير قديمة جداً بقِدَم سقوط البشرية في الخطية. فحين أخطأ آدم وحوّاء، وضع الله قرابين التكفير التي من خلالها غفر الخطايا وصالح شعبه مع نفسه. يُوصَف هذا النوع من الذبائح والقرابين في أماكن مثل لاويين 4 إلى 6، وكتاب العدد 15: 25-28.
الفكرة العامة وراء الكفارة مباشرة بشكلٍ كبير: بسبب خطيتنا، يستحق كل البشر أن يُعاقَبوا. وهكذا، لتجنُب هذه العقوبة العادلة، يقدِّم العابدون ذبائح تتلقَّى عقاب الله بدلاً منهم. كثيراً ما يشير اللاهوتيون إلى هذا بالكفارة البديلة، لأن القربان أو الذبيحة كان بديلاً عن العابد في طقس التكفير هذا.
وفي كل الحالات في العهد القديم، كانت القرابين والذبائح التكفيرية رمزية. منح الله الغفران لشعبه من خلال القرابين التكفيرية، ولكن ليس على أساس أو استحقاق القربان نفسه. فقد كانت قرابين العهد القديم فاعلة فقط لكونها تشير إلى جوهر واستحقاق ذبيحة يسوع المسيح في العهد الجديد.
يوضِّح العهد الجديد أن شعب الله لم يحصلوا على الغفران الدائم لخطاياهم على أساس ذبائح وقرابين العهد القديم. فكل ما كانت قرابين الخطية تعمله هو أنّها تؤجِّل دينونة الله، وكان ينبغي تقديمها بشكلٍ متكرِّر. موت المسيح على الصليب كان الذبيحة الوحيدة التي قبلها الله باعتبارها الثمن الكامل والدائم للخطايا. أعطى الله نظام الذبائح في العهد القديم كأداة يستخدمها بنعمته وكرمه لإيصال استحقاقات موت المسيح إلى مؤمني العهد القديم.
حين كانت قرابين التكفير تُقدَّم عن المؤمنين الأمناء، كانت هذه الذبائح تقود إلى نتيجتَين مهمّتَين، كانتا تعتمدان على ذبيحة المسيح المستقبلية في فاعليتهما. والنتيجة الأولى التي سنتكلَّم عنها هي الإزالة.
يشير التعبير تكفير الإزالة أو الإزالة إلى تأثير القربان على العابد. إنه إزالة ذنب الخطية من العابدين. هذا يحميهم من عقاب الله الذي يمكن أن يُسكَب عليهم لولا هذا التكفير. من خلال تكفير الإزالة، تَوضَع عقوبة خطية العابدين على البديل، حتى يُحمَوا من دينونة الرب.
تُذكَر الإزالة ويُشار إليها في أماكن حيث يتمّ الحديث عن الخطية "كمكتومة" أو "مستورة"، مثل أيوب 14: 17، والمزمور 32: 1 و5. كما أنّها واضحة في المقاطع التي تتكلم عن إزالة الخطية أو الذنب، مثل لاويين 10: 17؛ والمزمور 25: 18، وإشعياء 6: 7. كما نراها في مقاطع تتكلم عن نقل الخطية إلى بديل، مثل إشعياء 53: 6.
النتيجة الثانية لذبائح الكفارة بالنسبة للمؤمنين هي الإرضاء.
يشير تعبير الإرضاء إلى تأثير القربان على الله. الإرضاء هو الوفاء بمطالب عدالة الله وعقابه على الخطية. يشير الإرضاء إلى أن غضب الله قد عُبِّر عنه، وتم الوفاء بمطالبه. وبسبب هذا، صار الله قادراً على أن يعبِّر عن لطفه وإحسانه ومحبته تجاه العابد من دون أن يتجاوز عدالته.
يُشار إلى الإرضاء في المقاطع التي تتكلّم عن إرضاء غضب الله أو تهدئته، مثل كتاب العدد 25: 11-13، وتثنية 13: 16-17.
إنّ نظام الذبائح في العهد القديم هو برهانٌ قوي على حقائق شتّى عن الله وعن رحمته بالأخصّ. فنحن غالباً ما نفكّر في الأمر من ناحية تقدمة الحيوانات عوضاً عن الشعب لإرضاء استياء الله وغضبه ودينونته. لكن لا بدّ لنا أن نتذكّر أنّ الدافع وراء ذلك كلّه هو محبّة الله ورحمته، حين نفكّر بهذه الرحمة، بشفقته علينا، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنعمته، حيث نعطى ما لسنا نستحقه. من كتاب اللاويين 17: 11، هو مهمٌّ جدّاً إذ يرينا أنّ نظام الذبائح يجب ألّا ينظر إليه على أنّه نظامٌ ابتكره شعب إسرائيل لإبقاء الله إلى جانبهم. كلّا. هنا الله هو صاحب المبادرة، من محبّته لهم، أوجد وسيلة يتمكّن من خلالها أن يقيم بين شعبه. وهكذا يتمكّنون من أن يقيموا في حضرته. فيكونون شعبه ويكون هو إلههم. كلّ ذلك برهانٌ على رحمته، على محبّته وعلى نعمته. وكلّه يشير في النهاية إلى تدبير مسبق سيتحقق في يسوع المسيح. فبه كلّ الذبائح مع ما ترمز إليه تمت في الواقع بحيث نحن اليوم نعرف الله في ضوء عهدٍ جديد. وأصبحنا قادرين على الوصول إليه مباشرة من خلال ذبيحتنا العظمى، ربّنا يسوع المسيح.
د. ستيفين وِلَم
أشار نظام الذبائح في العهد القديم بطرقٍ عديدة إلى أنّه برهانٌ على رحمة الله. وإحدى الطرق التقليديّة التي تظهر فيها هذه الرحمة هي يوم الكفّارة، فهناك خيمة الاجتماع أو الهيكل وفي العمق الداخلي ما يسمّى بقدس الأقداس حيث تابوت العهد وبداخله الوصايا العشر وغطاء التابوت ويسمّى "بكرسي الرحمة". وفي يوم الكفّارة هذا، يأخذ رئيس الكهنة دم الحمل ويقدّم الحمل على المذبح خارج الهيكل أو خيمة الاجتماع ثمّ يدخل من الحجاب إلى قدس الأقداس ويقوم برشّ الدم على غطاء التابوت. وكلّ ما في الأمر هو أنّ الله سيظهر رحمته حين يغطّي دم الحمل الشريعة التي نقضت. وفي ذلك إشارة بالتأكيد إلى حقيقة أن يسوع المسيح سيكون هو الحمل الحقيقي الذي سيغطّي بدمه نقضنا للشريعة. لكن، لاحظ أنّ رحمة الله تأسست على هذا الدم الذي يغطّي الشريعة المنقوضة.
د. فرانك باركر
بعدَ أن فهمنا دور الكاهن في القيادة وإتمام الطقوس والشعائر، صرنا مستعدّين للحديث عن التشفع، الذي يتمّ لأجل الناس الذين يمثِّلهم الكهنةُ.
لقراءة هذه السلسة من المقالات (الجزء الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر ، الثاني عشر)
هذه المقالة مُصرح بإعادة نشرها من موقع thirdmill.org