الأعمال التي يعملها الكاهن

سننظر إلى ثلاث نواحٍ في عمل الكهنة. أولاً، سننظر إلى قيادتهم للشعب. ثانياً، سنستكشف الطقوس التي كانوا يؤدّونها. وثالثاً، سننظر إلى تشفُّعهم لأجل الآخرين. ولنبدأ بعمل القيادة، وهو دور كان الكهنة يقومون به.

القيادة

كان كهنة العهد القديم يقودون شعب الله بطرقٍ عديدة. ولكن فيما يتعلَّق بأهدافنا وإطار درسنا، سنلخِّص هذه الطرق تحتَ ثلاثة عناوين. أولاً، كانت العبادة إحدى أبرز النواحي التي كان الكهنة يقودون الشعب فيها.

كانت العبادة جزءاً مهماً في إعداد شعب الله وقيادته إلى محضر الله المُقدَّس. في شعب إسرائيل، كان الكهنة واللاويون يترأسون أحداث العبادة على المستوى الوطني، مثل الأعياد السنوية لشعب إسرائيل. كما كانوا يقودون العبادة في خيمة الاجتماع والهيكل بشكلٍ يومي، بالإضافة إلى الخدمات الخاصّة في أيّام السّبت. وكانوا يقودون المشاركين في التسبيح والترنيم. نجد هذه التفاصيل في مقاطع مثل 1 أخبار أيام 15: 2؛ و2 أخبار ايام 7، 8، 9، 20، و30؛ ونحميا 12.

ثانياً، كان الكهنة يقدِّمون إرشاداً خاصاً على هيئة أحكامٍ مدنية وطقسية. وقد كانوا يعملون هذا بشكلٍ رئيسي بتطبيق شريعة الله على الظروف التي كانوا يواجهونها. تُذكَر هذه الحقيقة في أماكن كثيرة، مثل خروج 28: 29-30؛ وكتب العدد 21: 27، وتثنية 21: 5، وحزقيال 44: 24.

وكمثال على هذا الدور، استمع إلى وصف موسى للأحكام المدنية التي كان يمكن للكهنة إصدارها في تثنية 17: 8-9:

إِذَا عَسِرَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فِي الْقَضَاءِ بَيْنَ دَمٍ وَدَمٍ، أَوْ بَيْنَ دَعْوَى وَدَعْوَى، أَوْ بَيْنَ ضَرْبَةٍ وَضَرْبَةٍ مِنْ أُمُورِ الخُصُومَاتِ... َاذْهَبْ إِلَى الْكَهَنَةِ اللاَّوِيِّينَ وَإِلَى الْقَاضِي الَّذِي يَكُونُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، وَاسْأَلْ فَيُخْبِرُوكَ بِأَمْرِ الْقَضَاء. (تثنية 17: 8-9)

كما يشير هذا المقطع، كانت الأمور القضائية تُحَل عادةً في المحاكم المحليّة. ولكن في الحالات الصّعبة بشكلٍ خاصّ، كان يمكن للناس الذهاب إلى الكهنة أو قضاة خاصّين يمكنهم أن يُصدِروا الأحكام بشأن الأمور الصّعبة.

وفي الحقيقة، نقرأ في خروج 18 عن يثرون، الكاهن المدياني، أنّه أخبر موسى نفسه بكيفية تنظيم المحاكم والقضاة في شعب إسرائيل. وكهنوت يثرون جعله مرجعاً في هذه الأمور.

كما كانت القرارات والإرشادات الكهنوتية تشمل التحقيق والتفسير والحكم بقضايا تخصّ الصحّة والقداسة والطهارة. كان الكهنة يقومون بتفحُّص وجود "عفن" في البيوت، ويشخِّصون الأمراض، ويعلِنون طهارة أو عدم طهارة الأشخاص والأشياء بحسب شرائع الله. ترد هذه الواجبات الكهنوتية في مقاطع مثل الفصول 11 إلى 15 من كتاب اللاويين.

كانت هذه شؤون كهنوتية لأن المشاكل الصحيّة الشخصية والعامّة دخلت إلى العالم كجزءٍ من لعنة الله التي أتت على خطية آدم، والتي بحسبها أُبعِد آدم عن محضر الله الخاص في جنة عدن. ولعنة الموت الشاملة أُقِرت في تكوين 3: 19. وقد شملت هذه الدينونة العامة دينوناتٍ أخر تتعلَّق بالصحة، كما نرى في لاويين 26: 16 وتثنية 28: 21-28.

ولهذا كان للقضايا الصحية دور مهم في إعداد شعب إسرائيل للمجيء إلى الله والاقتراب منه لنوال بركاته.

الطريقة الثالثة التي ظهرت بها قيادة الكهنة هي تعليم كلمة الله للناس، كما نقرأ في 2 أخبار الأيام 35: 3، ونحميا 8، وملاخي 2. وكمثالٍ على هذه الخدمة، استمع إلى كلمات الرب في ملاخي 2: 7:

أَنَّ شَفَتَيِ الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً وَمِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ لأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْجُنُودِ. (ملاخي 2: 7)

ظهر التعليم الخاطئ نتيجةً للخطية في العالم والتعدّي على كلمة الله من قبل أناسٍ غير مؤهلين لدخول محضره الخاصّ. وهكذا، أُعطي الكهنةُ مهمة تعليم كلمة الله لإعداد شعبه وقيادته إلى محضره المُقدَّس الخاص بطريقة تقود إلى نوال بركته.

بعد أن نظرنا إلى دور الكهنة في القيادة، لننظر الآن إلى الطقوس التي كانوا يقيمونها لأجل الشعب.

 

التشفع

يمكننا تعريف التشفع باعتباره التوسُّط أو التوسُّل لأجل الآخرين. المتشفِّع شخصٌ يقف معك، أو يدافع عن قضيتك حين تكون لديك مشكلة أو صعوبة، أو يحاول حل النزاعات بينك وبين شخصٍ آخر.

كثيراً ما تشفَّع كهنة العهد القديم من خلال قيادتهم وإرشادهم، بالإضافة إلى الطقوس والشعائر التي حدَّدها الله لهم. فمثلاً، كان الكهنة يتوسَّطون بين الناس في حل القضايا القانونية، وما بين الناس والله حين كانوا يقدِّمون قرابين الكفارة. كما كان الكهنة يقومون بأنواعٍ أخرى من أعمال التوسُّط والتشفُع.

كان أحد الأشكال كثيرة الاستخدام للتشفع هو طلب المعونة. كثيراً ما صلّى الكهنة لله ليشفي أو يُنقِذ أو يعين شعبه. ونجد أمثلة على هذا الشكل من الصلاة التشفُّعية في 1صموئيل 1: 17، و1 أخبار أيام 16: 4. وكمثالٍ على هذا، استمع إلى قصة تشفُّع أو توسُّط أيوب لأجل أولاده في أيوب 1: 5:

 

وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ [بنيه وبناته] فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: "رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ". (أيوب 1: 5)

كان أيوب بمثابة كاهن لعائلته، فتشفَّع لأجل أولاده لحمايتهم من نتائج خطاياهم.

وثمةّ شكلٌ آخر من التشفُّع هو إعلان البركة. حين كان الكهنة يبارِكون الناس، كانوا يطلبون من الله أن يُحسِن إلى الناس. نرى هذا في الطريقة التي بارك بها مَلْكِي ‍صَادِقُ إبراهيم في تكوين 14: 19-20، وفي البركات التي تعلَّم الكهنة أن يعلِنوها على الشعب في كتاب العدد 6: 22-27. فمثلاً، استمع إلى هذه الرواية في 2 أخبار الأيام 30: 27:

وقَامَ الْكَهَنَةُ اللاَّوِيُّونَ وَبَارَكُوا الشَّعْبَ، فَسُمِعَ صَوْتُهُمْ وَدَخَلَتْ صَلاَتُهُمْ إِلَى مَسْكَنِ قُدْسِهِ إِلَى السَّمَاءِ. (2 أخبار الأيام 30: 27)

حين يقول النص إن الله سمع صوتهم، فهذا يعني أنه أكرم التشفُّع الكهنوتي بإحسانه إلى الناس الذين باركوهم. كثيراً ما تظهر هذه الناحية من الخدمة الكهنوتية في أيامنا من خلال البركات التي ينطق الخدام بها في نهاية اجتماع العبادة. بل إن كنائس كثيرة تكرِّر البركة التي علَّمها الله لهارون في كتاب العدد الاصحاح 6.

كما رأينا، فإن للكهنة أعمالاً ومهمات ووظائف كثيرة ومتنوّعة. فقد كانوا يقودون الشعب، ويمارسون الطقوس، ويتشفّعون بالناس. ولكن بقدر تنوّع هذه المهمات والأنشطة، كانت هذه الأنشطة مُوحَّدة بهدفٍ واحد مستمر: كانت جميعاً تهدف لجعل شعب الله مؤهَّلاً للعيش في محضره الخاص، حتى ينال كل بركات عهده.

والآن، بعد أن نظرنا إلى مؤهّلات الكهنة وعملهم، لننتقل إلى التوقُّعات التي أوجدها وبثَّها العهد القديم بشأن الخدمات الكهنوتية المُستقبلية.

 

لقراءة هذه السلسة من المقالات (الجزء الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر ، الثاني عشر)

هذه المقالة مُصرح بإعادة نشرها من موقع thirdmill.org