
طبيعة المسيح >
النبوات عن العمل الكهنوتي (ج4)
خدمة الألفية الثالثة
11/18/20 - ٥ دقيقة قراءة
النبوات المحددة
في هذا المقال، سنركِّز على ثلاث نبوّات مُحدَّدة في العهد القديم عن وظيفة الكاهن.
أول توقُّع سننظر إليه هو المتعلِّق برئيس كهنة عظيم سيأتي في النهاية تكون خدمته بلا نهاية.
أشارَ العهدُ القَديمُ بِطُرُقٍ عَديدَةٍ إلى أنَّهُ يَوماً ما سَيَبْلُغُ الكَهْنوتُ ذُرْوَتَهُ في رَئيسِ كَهَنَةٍ يَخْدِمُ إلى الأَبَد. عَيَّنَ اللهُ هارونَ رئيسَ كَهَنَةٍ في زَمَنِ موسى، ولَكِنَّ العهدَ القديمَ يَتَطَلَّعُ إلى مُسْتَقْبَلٍ يَكونُ فيهِ كَهْنوتٌ يَفوقُ كَهْنوتَ هارون. كانَ كَهْنوتُ هارونَ مُؤَقَّتاً وسَيَبْقى حتّى مجيءِ رَئيسِ الكَهَنَةِ العَظيم. وفي الحَقيقةِ، كانَ رَجاءُ العهدِ القديمِ أنَّ وَظيفَتَي المَلِكِ والكاهِنِ تَتَوَحَّدانِ في وَظيفَةٍ وشَخْصٍ واحِدٍ هُوَ رَئيسُ الكَهَنَةِ العَظيمُ والمَلِكُ المَسيحاني.
ربما أوضح تصريح على هذه الفكرة هو الوارد في المزمور 110: 4، حيث نقرأ هذه الكلمات:
أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ: "أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ. (مزمور 110: 4)
في سياق هذا المزمور، وعد الله بأن خدمة المسيح المنتظر الكهنوتية لن تنتهي، بل ستدوم إلى الأبد.
يُمسِك الفصل 7 من رسالة العبرانيين هذه الفكرة، ويربطها مباشرةً بيسوع في وظيفته كرئيس كهنةٍ لشعب الله. ويشير الفصل نفسه إلى أن كهنوت المسيح الدائم أمرٌ يُشار إليه ضمنياً بسبب ارتباطه بالعهد الجديد، الذي تنبّأ عنه إرميا في 31: 31، حيث أشار إرميا في ذلك المقطع إلى أن الحياة في العهد الجديد ستكون كاملةً ورائعة. وانسجاماً مع هذا التعليم، يؤكِّد كاتب العبرانيين أن هذا العهد الجديد يتطلّب كهنوتاً أفضل، كهنوتاً يبقى إلى الأبد. يعبِّر كاتب العبرانيين عن هذه الحقيقة في عبرانيين 7: 21-22 مستشهداً بالمزمور 110: 4:
أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ ... عَلَى قَدْرِ ذلِكَ قَدْ صَارَ يَسُوعُ ضَامِناً لِعَهْدٍ أَفْضَلَ. (مزمور 110: 4)
نستنتج من هذا أن العهد القديم تنبّأ بشكلٍ مُحدَّد بأنّ الله في العهد الجديد سيُعيِّن رئيس كهنةٍ عظيماً لن تنتهي خدمته.
الأمر الثاني المتوقَّع بشأن وظيفة الكاهن الذي تم التنبؤ به في العهد القديم هو أن رئيس الكهنة العظيم سيحكم كملك.
كما رأينا سابقاً، فقد كان البشر كهنة وملوكاً في جنة عدن. وملكي صادق نفسه كان يعمل ويتمتّع بهاذين المركزين معاً. ومع أنَّ هاتَين الوظيفتَين انقسمتا لاحقاً، تنبّأ العهد القديم بأنّهما ستتوحَّدان ثانيةً في النهاية في شخص المسيح المنتظر.
لننظر مرةً أخرى إلى المزمور 110، وفي هذه المرة إلى الأعداد 2-4، حيث أعطى الربُّ وعداً بشأن المسيح المنتظر المستقبلي:
يُرْسِلُ الرَّبُّ قَضِيبَ عِزِّكَ مِنْ صِهْيَوْنَ. تَسَلَّطْ فِي وَسَطِ أَعْدَائِكَ... أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ: "أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ". (مزمور 110: 2-4)
وعد الله هنا بأن يكون المسيح المنتظر من نسل داود، وبأنّه سيحكم ملكاً ويخدم كاهناً. ترد هذه الفكرة نفسها في زكريا 6: 13، حيث نجد نبوةً عن المسيح المستقبلي:
يَكُونُ كَاهِناً عَلَى كُرْسِيِّهِ. (زكريا 6: 13)
بحسب العهد القديم، فإن أحد التوقُّعات الخاصّة بوظيفة الكاهن هو أن المسيح المنتظر سيوحّد وظيفة الكاهن بوظيفة الملك.
التوقُّع المُحدَّد الثالث الذي يتنبّأ العهد القديم عنه بشأن وظيفة الكاهن هو أن شعب الله أنفسهم سيكونون مملكة كهنة.
كما رأينا في تكوين 2: 15، فقد بدأ البشر في جنة عدنٍ بالخدمة ككهنة. ولذا، ينبغي ألا نُفاجأ بأن ردّنا بعدَ السقوط سيخدم البشرية المفدية ثانيةً من خلالنا ككهنةٍ لله. وفي الحقيقة، هذا أمرٌ تمّ التنبؤ به بشكلٍ مُحدَّد في مقاطع مثل خروج 19: 6، وإشعياء 61: 6.
يشير كلا هذين المقطعين إلى أنه حين يملك المسيح المنتظر، سيخدم كل شعبِ الله ككهنةٍ أمناء، ويتّحدون في أمّةٍ واحدة أو مملكة كهنة. عادةً ما يشير اللاهوتيون إلى هذه الفكرة بكهنوت المؤمنين. والرسول بطرس يشير إلى أن هذا الأمر قد تمّ في زمنه. استمع إلى ما كتبه الرسول بطرس في 1 بطرس 2: 5:
كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً مَبْنِيِّينَ... بَيْتاً رُوحِيّاً، كَهَنُوتاً مُقَدَّساً، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. (1 بطرس 2: 5)
إذْ كانَ الكَهَنَةُ في العهدِ القديمِ يَعْمَلونَ "كمصالحين للعهدِ"، كانوا باسْتِمرارٍ يُذَكِّرونَ شَعْبَهُمْ بِأَهَمِّيَّةِ عَلاقَةِ العَهْدِ مَعِ الله. وبِسَبَبِ الخَرابِ الذي تَسَبَّبَتْ بِهِ الخَطِيَّةُ في الخَليقَةِ، فَقَدْ كانَتْ وَظيفَةُ الكاهِنِ ضَرورِيَّةً وَحَيَوِيَّةً لاسْتِمرارِ تَقَدُّمِ مَلَكوتِ اللهِ ولِإتْمامِ مَقاصِدِه. وَلكنْ ما كانَ مُمْكِناً إتمامُ هذِهِ المقاطعِ مِنْ دونِ الشَخْصيَّةِ الكَهْنوتِيِّةِ المِحْوَرِيَّةِ في كلِّ التاريخِ – المسيحِ المُنْتَظَرِ، الذي كانَ كلُّ العَهْدِ القديمِ يَتَوَقَّعُ مَجيئَه.
بعد أن نظرنا إلى خلفية العهد القديم لوظيفة الكاهن، صرنا جاهزين للانتقال إلى موضوعنا الرئيسي الثاني: تحقيق الوظيفة الكهنوتية في يسوع.
لقراءة هذه السلسة من المقالات (الجزء الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر ، الثاني عشر)
هذه المقالة مُصرح بإعادة نشرها من موقع thirdmill.org