التشفع

سندرس التطبيق المعاصر لتشفُّع يسوع الكهنوتي ضمن جزأين أو عنوانَين.

أولاً، سنرى أن خدمته هذه تمكِّننا من أن نتوسَّل ونتضرَّع إلى الله لأجل أنفسنا.

وثانياً، سنرى أن تشفُّع المسيح يجعلنا مُلزَمين بأن ندافع عن الآخرين أمام الله، ونناشد الله لأجلهم. ولننظر أولاً إلى الطريقة التي بها تمكّننا خدمة يسوع الشفاعية من أن نتوسل إلى الله بشأن حاجاتنا.

 

نتوسل

 

كما سبق فرأينا، يتشفع يسوع لأجلنا بتذكير الله الآب بذبيحته لأجلنا، وبطلبه من الآب أن يغفر لنا ويباركنا على أساس هذه الذبيحة. ولأن الآب يُحِب الابن ويثمِّن ذبيحته، فإنّه يستجيب بإيجابية لتشفُّع الابن لأجلنا. إنه يسمع طلبات المسيح الكهنوتية ويستجيب لها، حتى يمكن تطبيق الغفران والتقديس والحياة وكلّ بركات الخلاص في حياتنا باستمرار.

وإحدى نتائج ذلك هو أنه بإمكاننا أن نأتي إلى الله كل يوم بحاجاتنا، عالمين أنه يسمع لصلواتنا لأن رئيس كهنتنا العظيم يصلي من أجلنا. ونجد ذلك في أفسس 3: 12، وفي عبرانيين 10: 19، وفي العديد من الأماكن الأخرى. وكمثال على مقطع كتابي يوضِّح هذه الأفكار، استمع إلى عبرانيين 4: 14-16:

فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ. أَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ. فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْناً فِي حِينِهِ. (عبرانيين 4: 14-16)

 

كما أشار كاتب العبرانيين، يسوع اجتاز السماوات، أي أنّه دخل إلى المقدِس السماوي بدمه ليشفع بنا. وبسبب شفاعته، نستطيع أن نثق بأن الله قبلنا، وبأنه سيعطينا الرحمة والنعمة حين نصلّي إليه.

نستطيع أن نصلّي إلى خالق كل الأشياء لأجل حاجاتنا، سواء أكانت حاجاتٍ عميقة مثل الغفران والخلاص، أو حاجات عادية مثل الطعام اليومي والملبس والمسكن. ليس من حاجة أصغر من أن تكون ضمن مجال تشفُّع المسيح لأجلنا. وليس من حاجة أكبر من ألا تستطيع ذبيحته أن تشملها وتغطّيها. ولهذا، علينا أن نتشجَّع فنكون جريئين وواثقين في صلواتنا، رافعين طلباتنا إلى الآب السماوي بشأن كل حاجاتنا ورغباتنا الصالحة والبارة.

بهذا الفهم لإعطاء تشفُّع المسيح الحق والثقة لنا بأن نتوسل الى الله لأجل أنفسنا، لننظر إلى تشجيع شفاعة المسيح لنا بأن ندافع عن الآخرين.

 

ندافع

ما دام المسيح يشفع بالآخرين، لمَ نزعج أنفسنا بالصلاة من أجلهم؟  أختصر السبب الرئيسي بكلمة واحدة -اتبعني. إذا كان المسيح يشفع، فهو يقول لنا أريدكم أن تحذو حذوي وتقوموا بالتشفّع. وأؤمن أنّ لصلواتنا تأثيراً أيضاً. كما أؤمن وهذا ما يعلّمه الكتاب المقدّس أن ليس لصلواتنا تأثير فحسب، بل ستأتي أوقات لا تصلّي فيها والأمور لن تسير على ما يرام لأنّك لم تصلِّ. إذاً هل من مفعول للصلاة؟ أجل. والسبب هو أنّ يسوع قال اتبعوني ثمّ صلّى.

 د. ماثيو فريدمان

 

أحد الدروس المهمة التي نتعلَّمها من حقيقة تشفُّع المسيح في السماء هو أن علينا أن نتبع مثاله في الدفاع عن الآخرين في الصلاة. ينبغي لمحبتنا للآخرين واهتمامنا بهم أن تدفعانا للتكلُّم مع الله بشأنهم، طالبين منه أن يريهم رحمته ومحبته في الظروف التي يمرّون بها مهما كانت. استمع إلى ما كتبه الرسول بولس في أفسس 6: 18:

مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهَذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ. (أفسس 6: 18)

 

يعلِّم الرسول بولس هنا كلَّ المؤمنين بأن يأتوا إلى الله لأجل الآخرين. وبالطبع، حينما نعمل هذا يكون دفاعنا مبنياً على ذبيحة المسيح لأجلهم، مثلما كان دفاع المسيح لأجلنا.

 

فعندما أسأل نفسي، لماذا يصلّي يسوع، فهو يعلم حاجاتي، ويعرف ما أمرّ به، فلماذا يجب أن يتشفّع من أجلي؟ لا بدّ أن نرى هنا في أساس التشفع قلب الله الذي يحمل حاجاتنا ويحتملها. ففي حياة الرب في الجسد، في حياة الثالوث، هناك قدرة على التحمّل، هناك حبٌّ يتّسع لكلّ حاجات الإنسانيّة. هذا هو أساس الصليب، أساس مسيرتي مع المسيح. وهذا ما قاله الرب بصيغة الأمر لأنّه يريدني أن أدرك الحقيقة، لكنّه ايضاً يمنحني فرصة أن أرفع شخصاً آخر في الصلاة. إنّ الحلّ لكلّ حاجاتنا نلقاه حتماً في قلب المسيح. لكنّه، إذ جعلنا على صورته ودعانا لنكون تلاميذه، قال أريدكم أنتم أيضاً أن تتشفّعوا. أريدكم ان تكونوا كهنةً ككهنة شعب إسرائيل. أريد ان يكون لكم قلبٌ كقلب هارون، قادر على التحمل. أريدكم ان تحملوا في قلوبكم، كما حملت أنا، حاجات العالم. وهكذا فإنّ التشفع هو تعبيرٌ عن كلّ نبضٍ ينبض في قلب الله.

 د. بِل يوري

 

الصلاة التشفُّعية للدفاع والمحاماة يمكن أن تنطبق على أية ناحية في الحياة. فمثلاً، يشجِّعنا الكتاب المُقدَّس على الصلاة لأجل نجاح الخدمات المسيحية في مقاطع مثل رومية ا15: 30، أفسس 6: 20، كولوسي 4: 4، 1 تسالونيكي 5: 25، وعبرانيين 13: 19.

يعلّمنا الكتاب المُقدَّس بأن نصلّي للذين هم في خطرٍ روحي أو في خطية، كما نرى في رسالة 1 يوحنا 5: 16. وعلينا أن نصلّي لأجل آخرين لينالوا الحفظ من التجربة، حسب تعليم يسوع في متّى 6: 13، وما نراه في مثال صلاته في لوقا 22: 32. وعلينا أن نصلي لأجل صحة الناس، طالبين من الله أن يشفي أي أضرارٍ أصابت الجسد والذهن. استمع إلى التعليمات التالية من يعقوب، أخي الرب، في يعقوب 5: 14-16:

أَمَرِيضٌ أَحَدٌ بَيْنَكُمْ؟ فَلْيَدْعُ شُيُوخَ الْكَنِيسَةِ فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيَدْهَنُوهُ بِزَيْتٍ بِاسْمِ الرَّبِّ، وَصَلاَةُ الإِيمَانِ تَشْفِي الْمَرِيضَ وَالرَّبُّ يُقِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ خَطِيَّةً تُغْفَرُ لَهْ. اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالّزَلاَّتِ، وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ لِكَيْ تُشْفَوْا. طِلْبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيراً فِي فِعْلِهَا. (يعقوب 5: 14-16)

 

يعلِّم يعقوب هنا بأننا حين ندافع عن الآخرين باسم الرب، أي حين نتشفّع لأجلهم بتذكير الربّ بأنّهم يخصّون المسيح، فإن الرب يقبل دفاعنا، ويمنحنا ما نطلبه. ولهذا، علينا أن نستفيد بأفضل صورة من هذا الامتياز، فندافع دائماً وبشكلٍ منتظم عن الذين هم في حاجة.

 

إنّ ثقتي في سيادة الله ثقةٌ لا تتزعزع. ولي كامل الثقة بأنّ يسوع المسيح هو، في الوقت الحالي، يشفع لي وللمؤمنين جميعهم أمام عرش الآب. ولي كامل الثقة أنّ كلّ ما احتاجه ألقاه في المسيح. فهل من ضررٍ إذا لم أتشفّع بالصلاة لأولئك الذين اعرف انّهم في عوز؟ دعني أقول لك إنّه ليس أحد يسأل سؤالا مماثلا إن كان هو أو هي المحتاج. لقد مررت في حالة من العوز الشديد، كنت من الناحية الطبيةّ، في وضعٍ حرج. وكنت أعرف أنّ صلوات المؤمنين مهمّة. وكنت اعلم أنّ إخوتي وأخواتي في المسيح المصلّين من أجلى كانوا يقومون بعملٍ كبير سوف يكون له تأثير في حياتي. وضعت مطلق إيماني وثقتي في الإله الملك والمسيح المجيد، لكن أمانتنا للمسيح تقتضي أن نعمل ما أمر به المسيح، أي أن نصلّي من أجل المؤمنين. وأعرف سبباً واحداً يجعل من الأمر مهمّاً؛ هو أن أكون أميناً أكثر في إيماني عندما أصلّي لمن هم في عوز.

 د. آلبرت مولر

 

وطبعاً ينبغي لنا أن ندافع عن الآخرين فيما يتعلَّق بحياتهم اليومية. فمثلاً، كما أنّنا نصلّي لأجل خبزنا اليومي، علينا أن ندافع عن الآخرين، طالبين من الله أن يسدّ احتياجاتهم اليومية أيضاً. ينبغي لنا أن نطلب منه أن يعطي كل أنواع البركات لشعبه، بما في ذلك الصحة والعمل والنجاح في العلاقات. وحين نكون في ظروف وأوضاع تضايقنا وتزعِجنا، علينا أن نصلّي إلى الله كي يساعدنا. وبالطريقة نفسها، علينا أن نطلب من الرب أن يعيننا. كما أن علينا أن نصلِّي لأجل حاجات الآخرين، سواء أكانت هذه الحاجات كبيرةً أو صغيرة.

 

كثيراً ما يتساءل الناس حول سرّ الصلاة. لم نحتاج أن نصلّي؟ إن كان الله يعرف مسبقاً كلّ شيء، وإن كان المسيح في الأصل يتوسّط لنا، لمَ نحتاج أن نصلّي؟ هل ينقص شيءٌ أم هل يحصل من ضررٍ إن لم نصلِّ أو نتشفّع للعالم والآخرين؟ حسناً، أظنّ أنّ الجواب هو نعم، هناك ضررٌ حاصلٌ، وهذا هو السبب؛ أوّلاً، إن لم نتشفّع نعصى أمر الله، لأنّ الله أمرنا أن نصلّي. هذا كلّ ما علينا معرفته بالدرجة الأولى. ليس علينا أن نفهم سرّ الصلاة وكيف تعمل. الله أمرنا أن نصلّي. وإن كنّا نثق بالله ونحبّه، فسنصلّي. لكن ثانياً، لم يأمرنا الله أن نصلّي فحسب، بل بطريقةٍ ما، وسط هذا الغموض كلّه، جعل صلاة القديسين جزءاً من شفاعة المسيح بالذات. بصراحة، أنا مصعوقٌ بهذه الصورة من كتاب الرؤيا التي فيها يحرق البخور ويتصاعد أمام الله على أنّه صلوات القديسين. فإذاً إن كنّا لا نصلّي، فنحن نسيء أيضاً إلى علاقتنا بالله لأنّ الله يريد من خلالنا أن يعمل عمله في العالم. لذا هو يدعونا إلى علاقة أعمق وإلى علاقةٍ أكمل معه حيث نكون له كشركاء في العمل، كما يصف بولس نفسه والآخرين، شركاء الله في عمل الفداء هذا من خلال تشفّعنا؟ إذاً علاقتنا بالله تتضرّر. أمّا ثالثاً، وهنا يكمن السرّ الأكبر. فالله صمّم بطريقةٍ ما، أن يفدي العالم، ولم يشأ أن يعمل على خلاصنا عن بعد، بل أراد أن يعمل من خلال قوّة النعمة التي تتولّد فينا. وبالتالي إذ نتشفّع لدى يسوع، ليس علينا أن نفكّر بالأمر كما لو أنّنا نحاول إقناع الله ليقوم بأمرٍ لا يريد القيام به، أو أنّنا نحاول أن نزايد على صلوات يسوع. لكن أن نرى أكثر أنّه في تشفّعنا للعالم أو للآخرين، نحاول أن نحمل العالم والآخرين ونرفعهم بصلواتنا إلى حيث يريدهم الله أن يكونوا لكي يسكب عليهم بركته ونعمته. وأجل، نعم في تصميم الله الذي يحيط به الغموض، سوف نظلّ نفتقد شيئاً ما إذا لم نصلِّ، لأنّه من ضمن الخلق، لم يعمل الله على أن يكون أولاده المفديين أولئك الذين ينتظرون خلاصهم الأخير، بل أن يعملوا الآن ويرفعوا ويحملوا في صلواتهم العالم والآخرين إلى حيث يستطيع الله أن يخلّصهم.

 د. ستيف بليكمور

 

الخاتمة

 

في هذه السلسلة عن يسوع الكاهن، نظرنا إلى خلفية العهد القديم لوظيفة يسوع الكهنوتية، فرأينا أن الله عيّن كهنةً ليُعدّوا ويقودوا شعب الله إلى محضره المُقدَّس حتى ينالوا بركاته. ورأينا أن يسوع تمّم مؤهّلات هذه الوظيفة في العهد الجديد، فصار رئيس كهنتنا العظيم. وقد نظرنا إلى بعض الطرق التي يمكننا من خلالها أن نطبّق مبادئ خدمة يسوع الكهنوتية على حياتنا في العالم المعاصر.

يسوعُ هو التَتْميمُ النِهائِيُّ والأسْمى لِوظيفَةِ الكَهْنوتِ الكِتابِيَّة. وَهُوَ بِصِفَتِهِ رَئيسَ كَهَنَتِنا العَظيمَ يُعِدُّنا لنَحْيا في مَحْضَرِ اللهِ المُقَدَّسِ، ونَتَبارَكَ مِنَ اللهِ بِطُرُقٍ مُدْهِشَةِ. وهذه البَرَكاتُ لَيْسَتْ قاصِرَةً على المُسْتَقْبَل. فَمِنْ خِلالِ ذَبيحَةِ المسيحِ وتَشَفُّعِهِ، الآبُ مَسْتَعِدٌّ لِأنْ يُعْطِيَنا امْتِيازَ تَذَوُّقِ حَياتِنا الأبَدِيَّةِ الآنَ، في الدَهْرِ الحالي. ولِهذا، يِنْبَغي لِأتْباعِ يَسوعَ أنْ يَفْرَحُوا بِخِدْمَةِ يسوعَ الكَهْنُوتِيَّةِ وَيَتُوقوا إلى اليَوْمِ الذي فيهِ يُرَحِّبُ يسوعُ بِنا في مَحْضَرِ اللهِ الخاصِّ في السماءِ الجَديدَةِ وَالأرْضِ الجَديدة. ولكنْ عَلَيْنا أيْضَاً أنْ نَتَّكِلَ على خِدْمَةِ يَسوعَ الحاليَّةِ بِصِفَتِهِ رَئيسَ كَهَنَتِنا العَظيمَ ونَسْتَفيدَ مِنْها، فَهُوَ في الوقتِ الحاليِّ أيْضاً يَشَفعُ لِأجْلِنا في بَلاطِ السَماء.

لقراءة هذه السلسة من المقالات (الجزء الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر ، الثاني عشر)

هذه المقالة مُصرح بإعادة نشرها من موقع thirdmill.org