
طبيعة المسيح >
صار ذبيحة لأجلنا (ج8)
خدمة الألفية الثالثة
12/14/20 - ٥ دقيقة قراءة
كما رأينا سابقاً، كان كهنةُ العهد القديم مسؤولين عن تقديم أنواعٍ عديدة من القرابين والذبائح، بما في ذلك ذبائح عن الخطية وذبائح شكر وذبائح وقرابين سلامة أو شركة. وفي موته على الصليب، قدّم المسيح ذبيحة واحدةً شكّلت أساس الاستحقاقات الخاصة بكل ذبيحة قُدِّمت عبر التاريخ. كانت كل ذبيحة سابقة للتكفير ظلالاً تشير إلى الذبيحة التي قدّمها يسوع حين مات على الصليب. يعلِّم الكتاب المُقدَّس هذه الحقيقة في مقاطع عدّة مثل رومية 3: 25، و8: 3، و1 يوحنا 2: 2، و4: 10. وكمثال على هذا، استمع إلى كلمات عبرانيين 10: 1-4:
لأَنَّ النَّامُوسَ، إِذْ لَهُ ظِلُّ الْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ لاَ نَفْسُ صُورَةِ الأَشْيَاءِ، لاَ يَقْدِرُ أَبَداً بِنَفْسِ الذَّبَائِحِ كُلَّ سَنَةٍ، الَّتِي يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الدَّوَامِ، أَنْ يُكَمِّلَ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ... لَكِنْ فِيهَا كُلَّ سَنَةٍ ذِكْرُ خَطَايَا. لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا. (عبرانيين 10: 1-4)
لم يكن العابدون يستفيدون من ذبائح وقرابين العهد القديم بسبب الذبائح نفسها، بل لكونها كانت تشير إلى جوانب في ذبيحة المسيح الخاصة التي قُدِّمت على الصليب. وعلاوةً على ذلك، فإن الفائدة التي كانت تقدِّمها هذه الذبائح لم تكن كاملة إلا حين قدّم المسيح الذبيحة التي كانت كل الذبائح الأخرى تشير إليها. لهذا السبب لم تكن ذبائح وقرابين العهد القديم قادرةً على إزالة الخطية بشكلٍ دائم ونهائي. فقد كانت مجرَّد وسيلة أجّل الله بها إيقاع عقابه وتنفيذ عدله ومارس الصبر حتى وقت موت المسيح على الصليب.
في هذه الناحية الخاصة، لم يكن يسوع مجرد الجوهر الذي أشارت إليه كل الذبائح السابقة، ولكنه كان أيضاً الكفارة النهائية. والآن بعد أن تحقق ملء الذبائح الكفارية في يسوع، لم يعد هناك حاجة لتقديم هذه الرموز والظلال. لهذا السبب لا يقدّم المسيحيون الذبائح الكفارية الموصوفة في العهد القديم. ليس لأننا نؤمن أن الذبائح الكفارية غير ضرورية. بالعكس نحن نعلم انه توجد حاجة ضرورية للكفارة. لكن سبب عدم تقديمنا ذبائح تكفيرية هو اننا نؤمن بأنّ ذبيحة يسوع الاستثنائية قد تممت بالكامل حاجة كل شعب المؤمنين إلى كفارة في كل زمان. ومن خلال هذا العمل الواحد، فقد ضمن لنا قداستنا، وجعلنا قادرين على السكنى في حضرة الله المميزة، المقدسة. كما نقرأ في عبرانيين 10: 10:
نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً. (عبرانيين 10: 10)
شكّلت ذبيحة يسوع بداية حقبةٍ جديدة في ملكوت الله. فقد كانت بداية نهاية سبي شعب الله ودينونته. فهذه الذبيحة جعلَتْ غفران الله ممكناً بشكلٍ مباشر في كل أمةٍ على الأرض. كما أنها كانت إشارة إلى نهاية صبر الله واحتماله تجاه كثيرين من غير المؤمنين.
لكن كما نقرأ في كتاب العدد 17: 30، قبل تقديم ذبيحة المسيح كان الله بطيئاً في إدانة الذين كانوا يجهلون الحق. ولكن ذبيحة المسيح أعلنت الحق بحيث صار الجهل بلا مبرِّر ولا عذر. نتيجة لهذا، بدأ الله يأتي بالدينونة على الخطاة بتكرارٍ وشدة أكثر حين لا يتوبون استجابةً للكرازة ببشارة الإنجيل.
بعض المشككين لا يرون في موت يسوع أكثر من نهاية مأساويّة لعمله المضلّل. لكن بالنسبة إلى المؤمنين، موت المسيح هو موتٌ إراديٌّ، هادفٌ، وافتدائي. وجزءٌ من كيفيّة فهمنا لمجريات الصلب الغامضة، جزءٌ من كيفية فهمنا لذلك هو بإدراكنا أنّه تتميم لرمز أو لفكرة سابقة عن ذبيحة العهد القديم. واليوم، مرّة أخرى، نرى العديد من الناس لا يرتاحون بتاتاً لموضوع الحاجة إلى سفك الدم. إذ يبدو الأمر لهم بدائيّاً جداً، يبدو غير مقبول بالنسبة للمثقفين والمهذبين. أعتقد أنّه من المهمّ بالنسبة إلينا أن ندرك أنّ الله ليس إلهاً متعطشا للدماءٍ هو لا يحتاج إلى الدم ليروي عطشه. إنّ ذبيحة العهد القديم، ونظام الذبائح في ذلك العهد كان فيه جرأةٌ ووحشيّة وقوة، كلّ هذا للتركيز على خطورة الإثم الذي تقدّم عنه الذبيحة. هو تذكير للشعب القديم أنّه ينبغي التخلّص من الخطيئة من أجل استرجاع التوازن الأخلاقي في عالم الله. وهنا يأتي يسوع المسيح متمّماً تلك الحاجة بحيث إنّ الشروط التي تتطلّبها عدالة الله والتوازن الأخلاقي للكون قد استوفيت بهذا الحب الباذل الذي لم يسبق له مثيل. فالعهد القديم يوجّه الأنظار نحو المسيح ويتحقق في المسيح وهذا ما نتبينه إذا ما تعمّقنا في تفاصيل النظام الذبائحي القديم.
د. غلِن سكورجي
بعد أن رأينا كيف أتمّ يسوع دوره الكهنوتي من خلال القيادة وإقامة العبادة، علينا أن ننظر إلى تتميمه عمل التشفُّع المرتبط بالكهنوت.
التشفع
في وقتٍ سابق في هذا الدرس، قُلْنا إن التشفُّع هو التوسُّط أو التوسُّل لأجل شخصٍ آخر. ونريد الآن أن ننظر إلى كيفية تتميم يسوع عمل التشفُّع المرتبط بالوظيفة الكهنوتية.
سألني صديقٌ ذات مرّةٍ: "إن كان المسيح قد جاء بنا إلى الله، لماذا لا نزال بحاجةٍ إليه؟ لماذا لا نستطيع الاستغناء عنه الآن بعد أن جاء بنا إلى الله ونكتفي بالصلاة إلى الآب؟ لسنا بحاجة بعد إلى يسوع". حسناً إنّ ذلك يغفل دور يسوع المستمرّ. لأنّ العهد الجديد يقول مستخدماً الزمن الحاضر، يوجد َوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الذي يحيا إلى الأبد ليشفع فينا. ذلك لا يعني البتّة أنّ عمل يسوع الكفّاري على الصليب كان بطريقةٍ ما غير كافٍ. بالطبع، إنّ عمل يسوع الكفّاري قد تمّ لمرّة واحدة، قد أكمل، ولا يحتاج أن يُزاد عليه شيء. لكن لا يزال ليسوع هذا الدور الشخصي المستمرّ، لتمتين علاقتنا بالله، الذي يلعبه في حياتنا كمحامينا ووسيطنا وممثّلنا. هو محامينا الذي يستمرّ يوميّاً في المثول أمام رئيس القضاة ليدافع عن قضيّتنا. والخبر الرائع هو أنّه بفضل عمله الكفّاري، لم يخسر قضيّة قطّ. هو يلجأ دوماً إلى عمله التام والكامل الذي يقوم به بالنيابة عنّا من خلال دوره التشفعي كرئيس كهنتنا الأعظم وعمله دائماً ناجح ودائماً فعّال. لكنّه أيضاً عملٌ مستمرّ، لتمتين علاقتنا بالله، ومتجدّد. وهكذا فإنّ يسوع، انطلاقاً من عمله الكفاري الذي تمّمه، يستمرّ في عمله كوسيطنا وشفيعنا، وكرئيس كهنتنا الأعظم.
د. إريك ثيونيس
أحد أوضح الأمثلة على عمل المسيح التشفعي في الكتاب المُقدَّس صلاته لأجل تلاميذه في الليلة التي فيها قُبِض عليه، والمُدوّنة في يوحنا 17. وفي الحقيقة، عادةً ما تُدعى هذه الصلاة صلاة يسوع الكهنوتية. في هذه الصلاة، رفع يسوع طلبات وتضرُّعات كثيرة لأجل الرسل. وفي يوحنا 17: 20-21، صلّى أيضاً لأجل الذين سيؤمنون ويصيرون تلاميذه من خلال خدمة الرسل التبشيرية.
استمرّ يسوع في عمله التشفُّعي بموته على الصليب، حيث توسَّط بين الله والبشرية بأكثر الطرق فاعلية. وبعد ذلك صعِد إلى السماء. ويخبِرنا الكتاب المُقدس أنه مستمرّ في التشفُّع لأجلنا في الهيكل السماوي وبتقديم دمه على المذبح والتوسُّل لأجلنا أمام الآب. كما نقرأ في عبرانيين 7: 24-25:
وَأَمَّا هذَا [يسوع] فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ. فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضاً إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ. (عبرانيين 7: 24-25)
خلاصنا مضمون دائماً وإلى الأبد لأن يسوع، رئيس كهنتنا العظيم، يتشفَّع باستمرار لأجلنا، طالباً من الآب قبول استحقاق موته كثمنٍ لكل خطيةٍ ارتكبناها ونرتكبها.
أتَمَّ يسوعُ وَظيفَةَ كَهْنوتِ العهدِ القديمِ بِشَكْلٍ كامِل. فَقَدْ قادَ، وأقامَ الطُقوسَ والشَعائِرَ، بِما فيها أهَمُّ طَقسٍ في كُلِّ التاريخِ الذي هُوَ ذَبيحَتُهُ على الصَليبِ، وَقَدَّمَ التَشَفُّعَ لِأجْلِ شَعْبِه. وفي الحَقيقَةِ، ما يَزالُ يسوعُ يَقومُ بِهذِهِ الأعْمالِ والمُهِمّاتِ الأساسيَّةِ اليومَ مِنْ خِلالِ كَنيسَتِهِ وَمِنْ خِلالِ عَمَلِهِ الكَهْنوتيِّ في السَماء. وهَكَذا، علَيْنا كأتْباعٍ لَهُ أنْ نَرى ما يَعْمَلُهُ يسوعُ ونَعْتَمِدَ عَلَيْهِ في المَجيءِ إلى الآبِ، ونَخْضَعَ لِخِدْمَتِهِ بَينما يُهَيِّئُنا للدُخولِ إلى مَحْضَرِ اللهِ المُقدَّسِ الخاص.
بعد أن نظرنا إلى مؤهِّلات يسوع وأعماله ككاهن، لننظر الآن إلى الطريقة التي وفّى بها توقُّعات العهد القديم بشأن الوظيفة الكهنوتية.
لقراءة هذه السلسة من المقالات (الجزء الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر ، الثاني عشر)
هذه المقالة مُصرح بإعادة نشرها من موقع thirdmill.org