
طبيعة المسيح >
التوقعات المُنتظرة من الكاهن (ج5)
خدمة الألفية الثالثة
11/22/20 - ٥ دقيقة قراءة
التوقعات
في زَمَنِ العهدِ القديمِ، كانَتْ وَظيفَةُ الكاهِنِ حَيوِيَّةً ومُتَغَيِّرَةَ. فَقَدْ تَغَيَّرَتْ واجِباتُها ومَسؤوليّاتُها عَبْرَ الزَمَن. فَلَمْ يَكُنْ كَهنوتُ مَلَكِي صادِق مِثلَ كَهنوتِ أيّوبَ تَماماً. واخْتَلَفَ كَهْنوتُ أيّوبَ عَنْ كَهْنوتِ يَثْرون. واخْتَلَفَ كَهْنوتُ يَثْرُونَ عَنْ كَهْنوتِ هارونَ ونَسْلِه. كَما أشارَ العهدُ القديمُ إلى تَغَيُّراتٍ أُخْرى سَتَحْدُثُ في المُسْتَقْبَل.
لفهم التوقُّعات التي أوجدتها الأنظمة الكهنوتية في العهد القديم بشأن المستقبل، سننظر في اتّجاهين: أولاً، سننظر إلى التطوُّر التاريخي لهذه الوظيفة في حقبة العهد القديم. وثانياً، سنركِّز على نبوّاتٍ مُحدَّدة بشأن مستقبل الوظيفة الكهنوتية. ولنبدأ بالتطوُّر التاريخي لوظيفة الكاهن.
التطور التاريخي
لأنّه كانت ثمة حاجة دائمة لدى البشر للدخول إلى محضر الله المُقدَّس والخاص، فقد كانت هناك حاجة دائمة أيضاً للأعمال والمهمات الكهنوتية. وفي الحقيقة، كان للكهنة دائماً أهميةٌ كبيرة لاستراتيجية الله بعيدة المدى للبشر والخليقة. ولكن من الناحية التاريخية، تغيَّر دور الكهنة في بعض الأحيان بحسب ظروف شعب الله المتغيِّرة.
سننظر إلى تغيُّر دور الكهنة خلال أربع مراحل مختلفة في التاريخ، بدءاً بمرحلة الخلق.
الخلق. تقابل هذه المرحلة عهد الله مع آدم. جنة عدن، التي فيها وُضِع البشر حين خُلِقوا، كانت مَقدِساً فيه كان الله يتمشَّى ويتكلّم مع البشر. وفي هذا السياق، عبد آدم وحوّاء الله وخدماه بطريقة شابهت خدمة الكهنة اللاويين في خيمة الاجتماع والهيكل. لهذا السبب، نستطيع أن نقول إن وظيفة الكاهن قديمة بقِدَم البشر. استمع إلى ما كتبه موسى في تكوين 2: 15:
وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا. (تكوين 2: 15)
في هذا المقطع، وصف موسى عمل آدم وحواء باستخدام الكلمتين العبريتَين المُترجَمة إلى عمل وحفظ. وفي كتاب العدد 3: 7-8، استخدم موسى هاتين الكلمتين معاً لوصف عمل اللاويين في خيمة الاجتماع. كما نجد تشابهاً كلامياً في مقاطع مثل تكوين 3: 8، و2 صموئيل 7: 6.
باستخدام اللغة والمفردات نفسها لوصف عمل البشر في جنّة عدن وعمل الكهنة في خيمة الاجتماع، يشير موسى إلى أنَّ آدم وحواء كانا أول كاهنَين، وأن أماكن مثل خيمة الاجتماع والهيكل كان القصد منها القيام بالعمل الذي خُصِّص أولاً لجنة عدن. وفي الحقيقة، اقترح علماء كثيرون أن أدوات وتصميم وديكورات خيمة الاجتماع والهيكل كانت تهدف لتذكُّر جنة عدن.
وفي كل الأحوال، كان كهنوت الجنس البشري في عدن خدمة لله في مقدِسه الذي هو الجنة، والعناية بأمور الله المُقدَّسة والعمل على إبقاء المكان ملائماً لسكنى الله. وعلاوةً على ذلك، أمر الله آدم وحواء ونسلهما بأن يصيرا مملكة كهنة، ناقلين عملهم إلى بقية العالم أيضاً. استمع إلى كلمات الله للبشر في تكوين 1: 28:
أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا. (تكوين 1: 28)
أمرُ الله بملء الأرض وإخضاعها يُدعى عادة التفويض الحضاري، لأنّه يلزِم البشر بأن يعتنوا بكل العالم ويطوِّروه لجعله مشابهاً لجنة عدن. من المنظور الكهنوتي، عمل البشرية هو تحويل كامل العالم إلى مقدِسٍ لله وخدمته إلى الأبد.
عندما خلق الله الإنسان على صورته، لم يفعل ذلك عبثاً. فقد أعطانا ما يسمّى غالباً بـ"التفويض الحضاري على الخليقة". يساعدنا هذا ان ننظر إلى الأمر ليس من ناحية السيادة على الأرض فحسب بل من ناحية ارتباط ذلك بنوعٍ من الحكم، بنوع من الدور الملكي، والكهنوتي أيضاً. فبالرغم من أن الخطية لم تكن قد دخلت بعد إلى العالم، إلّا أنّ تكوين 2 يصوّر لنا عدناً على أنّها هيكل، وجنّة مقدّسة، وبالتالي دورنا في الخليقة كان بتوسيع حدود عدن لجعلها تمتدّ إلى أقاصي الأرض. في النهاية، ذلك يحصل مع المسيح في السماوات الجديدة والأرض الجديدة. وفي عمق هذا العمل الكهنوتي عبادةٌ أيضاً، إذ أن كلّ ما نفعله هو لمجد الله، اذ نمارس هذا التفويض على الخليقة. وهناك أيضاً الخدمة -وهاتان الفكرتان مرتبطتان بعملٍ كهنوتي وعملٍ من النوع الملكي على حدّ سواء. فالتفويض الحضاري على الخليقة هو أن نكون مندوبين عن الله، أن نكون الخلائق التي لها علاقة مع الله، لنوسّع حدود هذه الجنّة المقدّسة، ولنفعل ذلك بالعبادة وبالتكريس والطاعة مستكشفين كلّ ثروات خليقته، وهذا سيُستردّ في النهاية في السماوات الجديدة والأرض الجديدة.
د. ستيفين وِلَم
في كتاب التكوين شرحٌ للتفويض الحضاري. هو جزءٌ له أهميّة كبرى في دعوة الإنسان، فيما يريدنا الله أن نكون في عينيه ونحن ننعم بهبة الحياة. بالتأكيد يجب ألّا ننظر إلى الأمر على أنّ التفويض الحضاري هو ليغشّنا أو ليجعلنا نهمل المأمورية بالكرازة بأيّ شكلٍ من الأشكال. فكلاهما من الله، وكلاهما شرعيٌّ وله أهميّته. فالتفويض الحضاري في الأساس هو هبة وامتياز عظيم. هو في الأساس تدبير إلهي يدعو شعب الله المخلوق على صورته إلى تحمّل المسؤولية، وإلى العمل باعتناء، وإلى إدارة وتطوير الإمكانات المتوفّرة بكثرة في النظام الذي خلقه الله لنا كسفراء أمناء أو ممثلين مفوّضين عن العناية الإلهية بذاتها. وبالتالي بما اننا خلقنا لنكون مبدعين على صورة الخالق، فنحن مدعوين لنكون كرماء، وأسخياء، وأصحاب مسؤولية في تحقيق التفويض على الخليقة.
د. غلِن سكورجي
أول التغييرات في وظيفة الكاهن حدثت عند سقوط البشر في الخطية، حين أكلوا من الثمرة الممنوعة لشجرة معرفة الخير والشر في تكوين 3.
السقوط.
حين حدث هذا، طُرِد آدم وحواء من جنة عدن، وكان عليهما أن يبدآ بتقديم قرابين تكفيراً عن خطاياهم. نجد إشارةً ممكنة إلى هذه الممارسة في تكوين 3: 21، حين غطّى الله آدم وحواء بجلود حيوانات. ونجد إشارة أوضح إلى هذه الممارسة في تكوين 4: 4، حين قدّم هابيل قرباناً حيوانياً للرب.
كما تُوجَد إشاراتٌ أخرى خلال هذه الفترة، مثل قرابين وذبائح نوح التي قُدِّمت بعد الطوفان في تكوين 8: 20، وكبش إبراهيم الذي ذبحه في تكوين 22: 13؛ والذبائح التي قدّمها يعقوب في تكوين 31: 54. خلال هذه الفترة، كان رؤوس العائلات هم الذين يقومون بدور الكهنة لأولادهم ونسلهم، والكهنة الذين دُعوا لتشمل خدمتهم أكثر من هذا كانوا قليلين جداً.
حدث تغيُّر آخر في هذه الفترة في "مكان" الخدمة الكهنوتية. فقبل السقوط، كانت الخدمة الكهنوتية تتم في مقدس جنة عدن، ولكن حين طُرِد البشر من جنة عدن في تكوين 3، وجّه الله كهنته لتخصيص أماكن أخرى لعبادته، ولإقامة نُصُب تذكارية للإشارة إلى أماكن التقى معهم فيها. وعلى عكس فترة الخلق، في هذا الوقت من التاريخ لم يكُن ممكناً وصف مكانٍ واحدٍ كمكانِ سكنى الله على الأرض.
مجموعة التغييرات الرئيسية التالية حدثت في أيام خروج شعب إسرائيل من العبودية في مصر.
الخروج.
فبعد أن بقيت أمة إسرائيل مُستعبَدة لفرعون مصر مدّةً تجاوزت الأربع مئة سنة، صرخوا إلى الرب، فأطلقهم الرب بقوةٍ عظيمة ومعجزاتٍ غير مسبوقة. يُوصَف هذا الحدث في الكتاب الثاني من الكتاب المُقدَّس، والذي يُدعى كتاب الخروج.
خلال هذه الفترة، ضيَّق الله دعوته الكهنوتية من كل البشرية حاصراً إياها في أمّة إسرائيل. وقال في خروج 19: 6 أن أمة إسرائيل مملكة كهنة له. كما أنّه أفرز سبط لاوي ليكونوا خدّاماً خاصّين له. ومعظم أبناء هذا السبط خدموا في أدوارٍ كانت تدعم العدد القليل من اللاويين (أولاد هارون) الذين خدموا ككهنة للأمة. وضمن سبط لاوي، اختير هارون ونسله فقط ليكونوا كهنة، وكان من بينهم رئيس كهنةٍ واحد. ونجد تعليمات الله بشأن الواجبات الجديدة للكهنوت الهاروني في كل كتاب اللاويين، بالإضافة إلى بعض الأجزاء في كتاب العدد.
كما أعطى الله تعليمات بشأن صُنع خيمة الاجتماع خلال هذه الفترة. كانت خيمة الاجتماع خيمة كبيرة مُزيّنة، كان بنو إسرائيل قادرين على حملها في رحلاتهم. كان لخيمة الاجتماع الدور الذي كان لجنة عدن في الخلق: كانت مقدِس الله الأرضي، المكان الذي فيه تمشّى الله وتكلَّم مع شعبه. وبعد السقوط، كان الله يلتقي الناس في أماكن عديدة من وقتٍ لآخر. ولكن حين صُنِعت خيمة الاجتماع، عاد الله ليركِّز عبادته في مكانٍ واحد. كان ينبغي العناية بمكان العبادة هذا، والحفاظ عليه من قبل خدّامه المختارين، الكهنة. ويمكن قراءة التعليمات الخاصّة بخيمة الاجتماع وقصة صُنْعها في الفصول 25 إلى 40 من كتاب الخروج.
كان قصد الله من التغييرات التي أحدثها في الخروج أن تكون خطواتٍ نحو تتميم خطته الأصلية للبشرية. كانت خطته تقضي بأن يستخدم الكهنة الهارونيين لتحويل شعب إسرائيل أولاً إلى مملكة كهنة، ومن ثمّ من خلال أمانة هذه الأمة المُقدَّسة وخدمتها توسيع ملكوته ليشمل العالم.
التغيُّرات الأخيرة التي جرت في وظيفة الكاهن في العهد القديم حدثت خلال فترة الحكم الملكي في شعب إسرائيل، حين كانت أمة إسرائيل قد سكنت أرض الموعد، وصارت تحتَ حكم ملك.
الحكم الملكي.
كانت للحقبة الملكية بداية شكلية مع شاول، الملك الأول على شعب إسرائيل. ولكنها بدأتْ بحماسٍ وجدية بخليفة شاول، أي بداود ونسله.
حين كان ملوك شعب إسرائيل يحكمون، كانوا مرتبطين ارتباطاً وثيقاً بالخدمة الكهنوتية. فمثلاً، وضع داود مخطّطاتٍ للهيكل. وقد سعى لضمان تتميم وأداء الخدمات الكهنوتية. كما قام بتنظيم عائلات الكهنة، وعيَّن مهماتٍ مُحدَّدة لهم. يمكن الاطّلاع على هذه التطوُّرات في مقاطع مثل 1 أخبار الأيام 15، 16، ومن 23 إلى 28.
كما حدَّد داود واجبات عائلات اللاويين، خاصة البوّابين والمُرنِّمين. كما أنه قدّم ذبائح وقرابين وأعلن بركاتٍ على الشعب، مشاركاً الكهنة في خدمتهم من وقتٍ لآخر، كما نقرأ في 2 صموئيل 6: 17-18. وفي إحدى المرات، خلع ثوبه الملكي وارتدى أفوداً كتانياً مُخصَّصاً للاويين، كما نقرأ في 1 أخبار الأيام 15: 27. وقد تمّ الحفاظ على هذه التطوُّرات حتى بعد زمن داود، كما نرى في عزرا 8: 20.
وفي زمن داود، حُدِّدت العائلات التي سُمِح بأن يكون رئيس الكهنة منها بعائلتَين من نسل هارون، وهما عائلة صادوق وعائلة أبياثار. نقرأ عن هذا في 1 أخبار الأيام 18: 16.
وبعد داود، حكم سليمان ابن داود ملكاً على مملكة الله، وقد انخرط في الخدمة الكهنوتية أكثر من داود نفسه. أدار سليمان مشروع بناء الهيكل، وأشرف على تقديم عددٍ عظيم من الذبائح والقرابين، وقاد الشعب في الصلاة في الهيكل، ونطق بالبركات عليهم، كما عمل أبوه. نقرأ عن هذه التفاصيل في 1 أخبار الأيام 21: 28، و2 أخبار الأيام 3 إلى 6، وفي 1 ملوك 8 و9. كما أنّها ترد بشكلٍ مُسلَّم به في مزامير كتبها داود، ومنها المزامير 5، 11، 18، 27، 65، 66، 68.
كما حصر سليمان نسل رئيس الكهنة بدرجةٍ أضيق مما فعل أبوه. فلأن أبياثار شارك في مؤامرة، استبعده سليمان هو وعائلته من الخدمة الكهنوتية، كما نرى في 1 ملوك 2: 26-27، 35. وقد كان هذا بمثابة تحقيق الدينونة التي صدرت في السابق على بيت عالي، الذي كان كاهناً غير أمين في أيّام القضاة، والمُدوَّنة في 1 صموئيل 2: 27-36.
مع أن ثمّة خدماتٍ خاصّة في الهيكل كانت مسؤولية الكهنة فقط، فقد تبع ملوك يهوذا مثالَي داود وسليمان بالانخراط في أنماطٍ من الخدمة الكهنوتية. وبهذا، كانوا بمثابة كهنة ملكيين في هيكل سليمان.
انتهت حقبة الملكية بتدمير البابليين لأورشليم وهيكل سليمان عام خمسمئة وسبعة وثمانين أو خمسمئة وستة وثمانين قبل الميلاد، وسبيهم للشعب إلى بابل. ولكنْ حوالي العام 515 قبل الميلاد، وخلال جهود العودة والردّ بعد السبي، بُني هيكل ثان. وفي هذه الفترة، أعلن النبيان حجي وزكريا أن الله عيَّن يشوع، وهو من نسل صادوق، رئيساً للكهنة. كما أعلنا أن يشوع سيخدم مع زربابل، الذي كان من نسل داود، والذي سيقود عملية الردّ. لكن المؤسِف أن جهود زربابل ويشوع لم تستمرّ طويلاً. فقد ارتدّ معظم الكهنة واللاويين عن الرب، مثلما عملتْ معظم الأمّة. وكانت عبادة شعب إسرائيل فاسدة، ولذا حلّت دينونة الله على الأمة مئاتٍ من السنين.
ومع هذا، فخلال هذه الفترة، استمرّ بنو إسرائيل ينظرون إلى الماضي، إلى أيّام داود وسليمان. فقد كان الأمناء يتذكَّرون تلك الأيام وكيف كانت الحال حين كان الملوك والكهنة يخدمون الله كما ينبغي. وكانوا يأملون بأن يأتي يومٌ جديد تتم فيه الواجبات الملكية والكهنوتية أمامَ الله بشكلٍ أجلّ وأعظم وأبهى مِمّا سبق، وأن يُرحِّب الله بشعبه التائب إلى بركات حضوره الخاصّ.
بعدَ أن نظرنا إلى التوقُّعات المتعلِّقة بالوظيفة الكهنوتية التي أوجدتها التطوُّرات التاريخية، صرنا مستعدِّين لنرى كيف خلقت نبوات مُحدَّدة في العهد القديم توقُّعات بشأن كهنةٍ مستقبليين.
لقراءة هذه السلسة من المقالات (الجزء الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر ، الثاني عشر)
هذه المقالة مُصرح بإعادة نشرها من موقع thirdmill.org