.jpeg?alt=media)
مشكلة الشر والألم >
مفهوم الشرّ في الأُطروحة المسيحيّة (ج3)
ناير ناصف
8/27/20 - ٥ دقيقة قراءة
في الأجزاء السابقة قدّمنا مناقشةً حول إشكاليّة الشرّ المنطقيّة وناقشنا فكرة ماهيّة الشرّ الطبيعيّ، ودفاع ألفين بلانتينجا الّذي ارتكَز على فكرة حُريّة الإرادة. وهي الرّكيزة الّتي استَند عليها أغلب الفلاسفة المسيحيّين مثل سي إس لويس [C. S. Lewis] فقد قدّم لنا في كتاب "مُشكلة الألم” [The Problem of Pain] طرحًا مُميّزًا في هذا المجال فقط قال:
"ربّما يُمكننا أن نتصوّر عالمًا يُصحّح فيه الله - في كُلّ لحظة - نتائج سوء استخدام الإرادة الحُرّة من قِبل مخلوقاته: بحيث تُصبح العصا الخشبيّة طريّةً مثل العُشب عند استخدامها كسلاحٍ، ويرفض الهواء إطاعتي إذا حاولت أن أضع فيه موجات صوتيّة تحمل أكاذيب أو إهانات. لكن هذا العالم سيكون عالمًا يستحيل فيه ارتكاب الأخطاء، وبالتّالي تُصبح فيه حُريّة الإرادة باطلة؛ على الأصحّ إذا تمّ تنفيذ هذا المبدأ فإنّ النّهاية المنطقيّة له هي أنّ الأفكار الشريرة سوف تكون مستحيلة، وذلك بسبب أنّ المادّة الدماغيّة التي نستخدمها في التّفكير، سترفُض التّفكير في هذه الأمور الّتي يتعيّن علينا أن نضعها في إطار هذه الأفكار."[1]
وعند هذا الحدّ نكون ناقشنا مُشكلة الشرّ الفلسفيّة بمعزلٍ عن اللّاهوت المسيحيّ، أي دون الاستناد إلي مرجعٍ كتابيٍّ ليُبرّر الله، فكما رأينا كُلّ ما سبق تمّ مناقشته في إطارٍ فلسفيٍّ ومنطقيٍّ مُبسّط. وهنا نكون قد وصلنا إلى هذا الجزء من الطّرح والّذي يجب أن نُقدّم فيه مفهومًا لمصطلح الشرّ كما تراه المنظومة المسيحيّة.
مفهوم الشرّ في الأُطروحة المسيحيّة
يقدّم لنا الكتاب المُقدّس المادّة الخام الّتي نفهم منها اللّاهوت المسيحيّ. ففيه تمّ إعلان طبيعة الله للبشريّة بوحيٍ إلهيٍّ-بشريٍّ. فيه قدّم الله نفسه للخليقة في إعلانٍ مُتدرّج مُتناسب مع مُستواهم الإدراكيّ. فبطول الكتاب المُقدّس نجد الله يُعلِن عن ذاتِهِ بشكلٍ أعمق وأعمق حتّى يصل إلى ذُروة إعلانه عن نفسه في شخص يسوع المسيح. وعند هذه النُّقطة يتمّ الرّبط بين الماضي والحاضر لكي تُعلَن مقاصد الله الأزليّة للبشريّة بصورةٍ واضحةٍ وجليّة. فقد كانت مسموعة في كلمات المسيح ومُنظوره في أعماله ومعجزاتِهِ. وقد صرّح بكُلّ وضوحٍ في أمثاله وتعاليمِهِ عن "ملكوت السّماوات" وهي الدّائرة الّتي تتّحدّ فيها إرادة الله بإرادة البشر. فقد علّم التلاميذ في صلاتهم أن يقولوا: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ .... لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ."[2] فيبدو أنّ فكرة اتّحاد إرادة الله بإرادة البشر هي الحلّ الجوهريّ لمُشكلة السّقوط. ففي تك 3 يُعلن لنا الكتاب المُقدّس أنّ البشريّة ممثّلة في آدم وحوّاء قبِلَت أن تستقلّ عن الله وتوجد لنفسها إلهٍ آخر، وهو أنفسهم. فقد أرادوا أن يكونوا [3] من هذه النّقطة نستطيع أن نضع تعريفًا واضحًا للشرّ.
فالشرّ في الطّرح المسيحيّ، هو استقلال الإنسان عن الله، أو بالتّحديد استقلال الإنسان عن طبيعة الله. فالله هو الخير الأعظم - الخير موجود لأنّ الله موجود. فباستقلال الإنسان عن الله أوجد لنفسه – كما أراد – طبيعة غير طبيعة الله. وهذا يعني أنّها طبيعة ليست خيّرة. فالشرّ في تعريفٍ أدقّ هو: "كُلّ ما هو ليس الله". وعند هذا الحدّ يجب أن نتحدّث عن طبيعة الله. يُخبرنا الكتاب المُقدّس بلسان البشير يوحنّا "إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ"[4] وكما قال كاتب المزمور "الرَّبَّ صَالِحٌ،"[5] فحقيقة أنّ الله صالح وبار وهو منبع الخير هي حقيقة جليّة في كُلّ الكتاب المُقدّس. فالله العلّة الأولى لوجود هذا الكون، يُعرف بأنّه منبع كُلّ خير، بل إنّ كُلّ خير موجود لأنّ الله موجود.
الثُّنائيّة في الكتاب المُقدّس
يُخبرنا الكتاب المُقدّس في العهد القديم بالتّحديد أنّ الله "مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ. أَنَا الرَّبُّ صَانِعُ كُلِّ هذِهِ."[6] فيبدو من القراءة الأولى أنّ الكتاب يُصرّح بكُلّ وضوحٍ أنّ الله هو خالق "الشرّ" ويبدو أنّ هذه الفكرة مُتجذّرة في فكر العهد القديم. فهذه الفكرة قد عُرفِت باسم "الثُّنائيّة". كما سبق وقُلت: إنّ الله قد قدّم نفسه للخليقة في إعلانٍ مُتدرّج مُتناسب مع مُستواهم الإدراكيّ. فمُجمل لاهوت العهد القديم ينظُر إلى شعب إسرائيل على أنّه محور الكون ومحور التّوراة ومحور التّاريخ، فقد تكوّنت هذه الفكرة في عُقولهم لأنّهم أدركوا أنّهم الشّعب المُختار.
فظنّ شعب إسرائيل أنّ كُلّ ما يحدث معه هو "خُطّة الله المُحكمة" لمُلكهِم للعالم. فلم يستطيعوا أن يروا أو يُفسّروا أيَّ حدثٍ بمعزلٍ عن نظرتهم هذه. وبُناءً عليه قد فسّروا أنّ سبيَهم في بابل هو من عند الله، وقد تناسوا أنّهم قد كسّروا العهد مع الله، وقد زاغوا وعبدوا آلهةً أُخرى، وحتّى يومنا هذا يظُنّ بعض اليهود أنّ محرقات الهولوكوست هي جزء من خطّة الله لشعب إسرائيل! فبُناء على هذه الخلفيّة الفكريّة لم يستطيع اليهود أن يُبرّروا وجود الشرّ إلّا بأنّه أمر من عند الله، أو أنّه جزء من خُطّة الله لهم. فعندما غفلوا عن أن غاية العهود هي المسيح [المسيّا] لم يجدوا سوى أنفُسهم لتكون محور هذه الأسفار. فبِفهمٍ مغلوطٍ عن الله حمّلوه من ثقافتهم وفهمهم عبئًا ليس له أيّ دور فيه.
في الوقت الّذي قدّم فيه إشعياء هذا التّصريح كان يُخبر عن سُلطان الله، فقد أراد أن يُخبر كورش من خلال فهم إشعياء له أنّه مُسيطر على كُلّ شيء. فأخبره أنّه "صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ. أَنَا الرَّبُّ صَانِعُ كُلِّ هذِهِ."[7] وهذا مبنيّ عن معرفة إشعياء بأنّ الله هو واحد، وهو الّذي منه يأتي كُلّ شيءٍ، فقد كان إيمان إشعياء اليهوديّ مُخالف لإيمان باقي الشُّعوب، فيما كان باقي الشُّعوب تعبُد إلهًا للخير وإلهًا آخر للشرّ. كان إشعياء يُدرك أنّ الله واحد فبِفَهمٍ [بسيطٍ منه أدرك أنّ الله مصدر لهذا ولذلك]. وقد قبل الله هذا التّعبير الّذي لمْ يكون ليُسبّب أيّ نوعٍ من المشاكل الفلسفيّة في وقتها. [ولكن في ضوء إعلانه الكمال عن نفسه في المسيح يُخبرنا يوحنّا أنّه هذا الّذي سمعه من المسيح بنفسه "إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ"[8] ويخبرنا يعقوب أن " اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ،"[9]]. فالله مُهتمّ في كُلٍّ من العهدين أن يُعلن عن طبيعتِهِ. والأكثر من ذلك هو إعلان المسيح عن موقفه من الشرّ والألم.
المسيح المُتألّم
لمْ يخفِ عنّا الكتاب المُقدّس هذه الحقيقة الجليّة أنّ المسيح -الله المُتجسّد- في بشريّته عانى من الشرّ في كُلّ صورة. فقد قُتِل ابن خالته يوحنّا المعمدان[10] لأنّه أصرّ على إعلان الحقّ. وقد عُلق هو على خشبة[11] بلا أيّ ذنبٍ يُذكر! وفي زمنه كان الرّومان[12] يحتلّون بلاده فكانت الحالة الاقتصاديّة[13] شبه مُنعدمة والحالة النفسيّة مُكبّلة بألم الاستعمار. فيبدو أنّه كان يُعاني من الشرّ الأخلاقيّ في أبهى صورهِ، على كُلّ المُستويات. ومع هذا كُلّه سأُركّز على حادثة جثسيماني[14]. فقد كان يُصلّي لأنّه عالم أنّ ساعته قد أقترب[15] فكان يطلُب من الآب أن يَعبُر عنه هذه الكأس، ولا يدخُل في هذه القصّة المؤلمة. فمِن جهةٍ ناسوتِهِ كان مُتألّمًا وبشدّةٍ، لأنّه مُدرك مِقدار الظُّلم الّذي سيقع عليه جرّاء فعل لمْ يفعله. ولكن استمرت القصّة وصُلِبَ يسوع وعُلِّقَ ومات على خشبة الصّليب كما شهد التّاريخ[16] قبل الكتاب المُقدّس. وبدا أنّ الله كان صامتًا في هذا الموقف! ولكن العجيب في رسالة العبرانيّين يُخبرنا الكتاب المُقدّس أنّ "الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ،"[17] فيبدو أنّ الآب كان حاضرًا في هذه المشهد، ويبدو وكأنّه معه بالرغم مِن أنّه كان يشعُر بالتّرك[18]. فإله الكتاب المُقدّس يُقدِّر مدى الضّرر النّاتج عن حُريّة الإرادة هذه، ولكنّه يرى أنّها تستحقّ كُلّ هذا العناء. بل تستحقّ أن يُحقّق للبشريّة هذا الفداء، ويُؤسّس مملكة السّماوات ليُعيد الخليقة إلى هدفها الأساسيّ.
الخُلاصة
لقد خلق الله الإنسان ليُشاركه هذا الوجود ويتمتّع فيه بعلاقة معه، ومع الآخرين ومع الطّبيعة. ولكي يتحقّق هذا يجيب أن يكون هذا الإنسان حُرًّا، ولكن لهذه الحُريّة جانب خطير. فيُمكن أن يتبع الله، أو يستقلّ عنه، ومِنه تنبُع كُلّ هذه الشرور. لهذا، فالإنسان أمام هذا الاختيار كُلّ يوم. فإمّا أن يتّحد مع الله، ويُخضِع إرادته له، أو يهجره ويصنع بإرادته كُلّ ما هو ليس من الله. والنتائِج لا تحتاج لوضوح أكثر مِمّا نُعاينَهُ في هذا العالم.
لقراءة باقي أجزاء هذا المقال:
الجزء الأول، الجزء الثاني، الجزء الثالث
[1] - سي إس لويس، كتاب [The Problem of Pain]، أصادر [HARPERCOLLINS EDITION 2001]، ص 24.
[2] - إنجيل متي 6: 9 -10.
[3] - تكوين 3: 5.
[4] - 1 يوحنا 1: 5.
[5] - مزمور 100: 5. مزمور 145: 9.
[6] - إشعياء 45: 7.
[7] - إشعياء 45: 7
[8] - 1 يوحنا 1: 5.
[9] - يعقوب 1: 13.
[10] - مرقس 6: 27 -30.
[11] - مرقس 15: 13 – 20.
[12] - لوقا 3: 1.
[13] - متي 17: 24 – 27.
[14] - متي 26: 36 – 45.
[15] يوحنا 13: 1.
[16] - الكاتب [Michael R. Licona]، كتاب [The Resurrection of Jesus A New Historiographical Approach]، اصادر [InterVarsity Press, USA]، ص 235 – 246.
[17] - العبرانيين 5: 7.
[18] - مرقس 15: 34؛ متي 27: 46.