.jpeg?alt=media)
مشكلة الشر والألم >
إشكاليّة الشرّ (ج1)
ناير ناصف
8/27/20 - ٥ دقيقة قراءة
مُقدّمة
في يوم 25 فبراير 1649 في مُعتقل أوشفيتز[1] في مدينة شامغورود تمّ عقد محكمة غريبة من نوعها. كان فيها المُتّهم هو [الله] والتُّهمة أنّهُ مصدر الشرّ والألم الّذي يُعاني منه البشر، واليهود بالتّحديد في هذه المُعتقلات. من هذه النُّقطة بدأت أحداث فيلم "الله في المحكمة" [God On Trial] المبني على كتاب "مُحاكمة الله" [The Trial of God] للكاتب إيلي فيزيل [Elie Wiesel] وهو أحد النّاجين من محرقة هولوكوست[2]. كانت ولا زالت محرقة الهولوكوست من الأحداث الّتي تُسبّب تساؤلًا حقيقيًّا حول وجود الله. فقد قدّم لنا النّاجين من هذه المحارِق وصفًا عمّا حدث فيها، وعن الألم الّذي عاناهُ كُلّ من وُجِدَ في هذه المُعسكرات. فقد تساءل الكثيرون من بعدها: هل هناك إلهٌ يُحبّ البشرَ حقًّا، ولم يمنع مثل هذه الكارثة؟!
إشكاليّة الشرّ
على ما يبدو إنّ هذه الإشكاليّة قديمةٌ جدًّا، فقبل أن يطرحها الفيلسوف ديفيد هيوم [David Hume] كان الفيلسوف اليونانيّ إبيقور [Epicurus] قد طرحها فيما قد عُرِفَ بثُلاثيّة إبيقور [Epicurus' trilemma][3] والّتي يُحاجي فيها بأسلوبٍ منطقيٍّ حول فكرة وجود إلهٍ كُليّ القُدرة والمعرفة وهو خيّر/صالح في ظلّ وجود الشرّ في العالم. ومن بعدها تطوّرت هذه الإشكاليّة في كتابات الفيلسوف جون إل. ماكي [J.L. Mackie]. ظهرت صورة أُخرى لهذه الإشكاليّة تُناقش المُشكلة بصورةٍ أعمق، والّتي عُرِفت في كتابات الفيلسوف ويليام روي [William Rowe] باسم إشكاليّة الشرّ الدّلاليّة [The Evidential Problem of Evil]. وعلى أيّة حال يبدو أنّ هذه الإشكاليّة تطوّرت مع الوقت لكي تكون حجرًا قويًّا يَبني عليه المُتشكّك أو المُلحد نظرته وإيمانه في عدم وجود إله. وقد أخذت هذه الإشكاليّة الكثير من التّصنيفات فقد قسّم الفيلسوف جون هيك [John Hick] الشرّ إلى شرّ أخلاقيّ [Moral Evil] وشرّ طبيعيّ [Natural Evil] في مُحاولة لمُناقشة كُلّ قضيّة على حدّةٍ.
إشكاليّة الشرّ المنطقيّة
تُعدّ أقدم صورة لإشكاليّة الشرّ المنطقيّة منسوبةً للفيلسوف إبيقور – راجع التذيل رقم 3. وهي عبارة عن حُجّة منطقيّة تستنتج في النّهاية أنّه لا يوجد إله ذو صفات مُعيّنة في هذا الكون في ظلّ وجود الشرّ. وهي مبنيّة على الشّكل التّالي:
- هل الإله يُريد أن يمنع الشرّ ولكنّه لا يعلم؟ إذًا هو ليس عليمًا [omniscient]
- هل الإله يُريد أن يمنع الشرّ ولكنّه غير قادر؟ إذًا هو ليس قادرًا [omnipotent].
- هل الإله يُريد أن يمنع الشرّ ولكنه لا يريد؟ إذًا هو ليس صالحًا/شريرًا [malevolent].
- إذا كان الله كُليّ المعرفة وكُليّ القُدرة وصالح، فلماذا إذًا يوجد هناك شرّ؟!
فبعد هذا الطّرح يتبيّن التّالي: إمّا أنّه يوجد إله يعرِف كُلّ شيء، وقادر على كُلّ شيء وصالح. وعندها لن يكون هناك وجود للشرّ نهائيًّا. ولكن هذا لا يتوافق مع الواقع. أو أنّ هذا الإله لا يعرف بوجود الشرّ لكنّه يقدر أن يقضي عليه لأنّه صالح. وفي هذه الحال لا يصلح أن يكون إلهًا. أو أنّه يعرف بوجود الشرّ وهو صالح لكنّه لا يقدر على تغييره، أو تبديله، وفي هذه الحالة لا يصلح أن يكون إلهًا أيضًا. أو إنّه يقدر أن يمنع الشرّ ويعرف بوجوده ولكنّه لا يُريد. وفي هذه الحالة لا يصلح أن يكون إلهًا صالحًا. يبدو أنّ هذه الفكرة قد أغلقت كُلّ الأبواب أمام فكرة وجود إله صالح ومُحبّ وكُليّ القُدرة وكليّ المعرفة في ظلّ وجود الشرّ.
حُريّة الإرادة وألفين بلانتينجا
قدّم الفيلسوف الأمريكي ألفين بلانتينجا [Alvin Plantinga] ردًّا على إشكاليّة الشرّ التي نُسبت لأبيقور وغيره من الفلاسفة. فقد وضّح ألفين أنّه إذا وجد سببًا كافيًا أخلاقيًا [Morally Sufficient reason] لوجود إله كُليّ القُدرة وكُليّ المعرفة وخيّر في ذاته وفي نفس الوقت يوجد الشرّ. من المُمكن أن يحلّ هذه المُعضلة. فحُريّة الإرادة بالنّسبة لألفين بلانتينجا هي الشّيء الّذي يستدعي كُلّ هذا العناء. فإذا كان الإنسان مُسيّر [بالكامل] ومُحدّد له كُلّ أفعاله بشكلٍ قدري، أو لا دخل له فيه. فلن يكون هناك هذا السبب الكافي أخلاقيًّا.
ولكن في الواقع الإنسان بحسب حُريّة الاختيار الليبرتارية [libertarianism] والّتي طرحها ألفين فالإنسان حُرّ بالنّسبة للأفعال الّتي يقوم بيها، فقط لو كان الفرد حُرًّا في القيام بالفعل أو عدم القيام به. بمعنى أنّه مُخيّر إمّا أن يفعل هذا أو لا يفعل. فبالرغم من وجود عامل التأثير البيئي [Environmental] وعامل التّأثير البيولوجيّ [Biological] إلّا أنّ الإنسان يقدر أن يختار أفعاله. فوعي الإنسان بحُريّته هو جزء أصيل من مُطالبته بتحقيق العدالة. فهذا المفهوم الأخلاقيّ لا قيمة له إذا كان الإنسان مسلوب حُريّة الإرادة. وهذا بالرغم من إدراكنا بهذه العوامل المؤثّرة على قُدرتنا في صُنع القرار. لن يكون من العدل أن نُعاقب شخصًا مُجبرًا على القيام بفعل مُعيّن، فقد تمّ برمجته لقيام بجريمة قتل فهو مُجرّد أداة فقط مثله مثل سلاح الجريمة! وأيضًا وعي الإنسان بحُريته هو جزء أصيل من إدراك الإنسان لمفهوم الحُبّ. فكما يقول سي اس لويس عن الحُبّ والجمال بين التأثير البيولوجيّ والإرادة الإنسانيّة:
"فلا ُيمكنك - إلّا في أدنى حاسّة حيوانيّة [4]- أن تكون في حالة حُبّ مع فتاة إذا كنت تعلم (وتتذكّر) أن كلّ ما تحبّه من جمال فيها سواء شكلها أو شخصيّتها هو نمط لحظيّ وعَرَضِيّ ينتج عن تصادم الذّرات (في عقلك) وأنّ استجابتك لهُم هي فقط نوع من الفسفوريّة النفسيّة الناشئة عن سلوك جيناتك. ولا يُمكنك الاستمرار في الحُصول على أيّ مُتعةٍ حقيقيةٍ من الموسيقى إذا كنت تعلم وتذكر أنّها "هواء ذي أهمّيّة" [وهي محض وهم، وأنّها تعجبك لأنّ جهازك العصبيّ مُكيّف - على نحو غير منطقيّ- للإعجاب بها]. قد لا يزال لديك - بأدنى حاسّة - "وقت جيّد"؛ ولكن بقدر ما هو جيّد، بقدر ما يهدّد بدفعك من شهوانيّة باردة إلى الدّفء والحماس والبهجة الحقيقيّة، وعند هذا الحدّ ستكون مُجبر على الشُّعور بعدم الانسجام اليائس بين مشاعرك الخاصّة والكون الّذي تعيش فيه حقًّا."[5]
فيبدو أنّنا بالرغم من إدراكنا لدور العامل البيئيّ والبيولوجيّ إلّا أنّنا نُدرك مفهوم الحُبّ والجمال والمُتعة على نحوٍ يدفعُنا إلى شيءٍ حقيقيٍّ مبني على اختياراتنا الحُرّة وليس كما قرّرت الطّبيعة من حولنا وفينا. فنحن نُدرك دورنا في تغيّر المجتمعات من حولنا والذي لا يعكس إلّا إدراكنا لكوننا أحرارًا، فكيف نقيم ثورات ونُطالب بالديموقراطية في ظلّ غياب حُريّة الإرادة! في الجزء القادم سنكمل مُناقشة طرح ألفين بلانتينجا وباقي إشكاليّة الشرّ ومفهوم الشرّ الطبيعيّ.
لقراءة باقي أجزاء هذا المقال:
الجزء الأول، الجزء الثاني، الجزء الثالث
[1] - أوشفيتز: كان معسكر اعتقال وإبادة بني وشغل من قبل ألمانيا النازية في أثناء الاحتلال النازي لبولندا أثناء الحرب العالمية الثانية. يعتبر معسكر أوشفيتز من أكبر معسكرات الاعتقال النازية ويتكون من ثلاث معسكرات رئيسية و45 معسكر فرعي.
[2] - الهولوكوست: تُعرف أيضاً باسم شوأه. وهي حركة إبادة جماعية وقعت خلال الحرب العالمية الثانية قُتِل فيها ما يقرب من ستة ملايين يهودي أوروبي على يد النظام النازي لأدولف هتلر والمتعاونين معه.
[3] - ناقش كل من الفيلسوف دانيال هوارد سنايدر [Daniel Howard-Snyder] والفيلسوف جاستن بي ماكبراير [Justin P. McBrayer] في كتاب " The Blackwell Companion to The Problem of Evil" اصادر [© 2013 John Wiley & Sons, Inc.] ص 6 – 8 إن هذه الثلاثية غير موجودة في أعمال أبيقور نهائيًا، إنما وجد نص يحمل نفس الأسئلة في كتابات الفيلسوف اليوناني سيكستوس إمبيريكوس [Sextus Empiricus]. وناقشوا فكرة أن الفيلسوف أبيقور كان مؤمن وليس ملحد.
[4] - يقصد الحواس الجسديّة في طابعها الشهواني أي التعامل على المستوي الجسدي فقط.
[5] - سي اس لويس، كتاب [Present Concerns: Journalistic Essays]، فصل [ON LIVING IN AN ATOMIC AGE]. ص 76 – 77.