
قضايا العهد القديم >
الشعب المختار!
إفرايم جرجس
11/25/19 - ٥ دقيقة قراءة
هل الله عنصري لأنه إختار شعباً بعينه؟
ستناول في هذا المقال سؤال يخطر ببال الكثير وهو السؤال عن عنصرية الله الذي يطرحه الكثير من نقاد المسيحية، ويهاجمون به طبيعة وشخصية الله خصوصاً في العهد القديم. بالإضافة إلى دارسين مخلصين للكتاب المقدس يريدون أن يعرفوا أيضاً كيف يفسرون ويفهمون طبيعة الله.
فكيف لله المحب والعادل أن يختار شعباً بعينه ويتحيز له، ويهمل باقي شعوب الأرض؛ بل ويستخدمهم في تمكين وتقوية الشعب الذي إختاره؟ وهل يهوه هو إله اليهود فقط؟ إذا كان كذلك، يصبح إلهاً قومياً محلياً فقط، مثله مثل باقي آلهة الشعوب القديمة الأخرى، الفرق الوحيد هو أن ذكره باقي إلى الآن.
للإجابة عن تلك الأسئلة، دعونا نفكر في هذه النقاط:
طبيعة بداية العلاقة بين الله والإنسان
لقد خلق الله الإنسان على صورته كشبهه. (تكوين 1: 26، 27)، ويشمل هذا كل إنسان بلا تمييز أو محاباه. الله لا يفرق بين إنسان وآخر علي أساس الدين أو الجنس أو اللون، الكل أمام الله هم مخلوقين علي صورته وشبهه.
والعهد القديم به وصايا بالمساواة وعدم المحاباة بين اليهود وغير اليهود مثل (لاويين 24: 22) "حكم واحد يكون لكم. الغريب يكون كالوطني. إني أنا الرب إلهكم".
"أفلا أشفق أنا علي نينوي المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من اثنتي عشر ربوة من الناس الذين لا يعرفون شمالهم من يمينهم". (يونان 4: 11)
كما في العهد الجديد أيضاً، خطة الله للخلاص هي لكل العالم، لأن الله أحب العالم كله، وليس جنساً أو عرقاً بعينه (يوحنا 3: 16) وهو "يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون". (1 تيمو 2: 4)
والله يقبل صلاة كل إنسان بغض النظر عن جنسه أو عرقه. فكما هو مكتوب في صلاة سليمان "فكل صلاة وكل تضرع تكون من أي إنسان كان أو من كل شعبك إسرائيل الذين يعرفون كل واحد ضربته ووجعه فيبسط يديه نحو هذا البيت. فاسمع أنت من السماء مكان سكناك واغفر وأعط كل إنسان حسب طرقه كما تعرف قلبه. لأنك أنت وحدك تعرف قلوب بني البشر. ليخافوك ويسيروا في طرقك كل الأيام التي يحيون فيها علي الأرض التي أعطيت لأبائنا. وكذلك الاجنبي الذي ليس هو من شعبك إسرائيل وقد جاء من أرض بعيدة من أجل إسمك العظيم ويدك القوية وذراعك الممدودة فمتي جائوا وصلوا في هذا البيت فإسمع أنت من السماء مكان سكناك وافعل حسب كل ما يدعوك به الأجنبي ليعلم كل شعوب الأرض إسمك فيخافوك كشعبك إسرائيل". (2 أخبار الأيام 6: 29 – 33)
وبناء على ذلك نستطيع أن نتأكد أن الله يحب الجميع والكل في عينه له نفس القيمة، وأن رحمته تشمل الجميع وليس لعرق أو جنس معين.
لكن دعونا نتعمق في أسباب اختيار إسرائيل كانت كما أعطانا الله أن نفهمها من الكتاب المقدس هي:
أولًا أراد الله أن يصنع عهداً مع إبراهيم (تكوين 12: 1 – 3) ويباركه وفي نسله تتبارك جميع قبائل الأرض.
كان هناك تحقيق قريب وتحقيق بعيد للنبوة. التحقيق القريب كان بركة شعب إسرائيل والتحقيق البعيد كان في المسيح.
- الإرسالية:
كان هناك غرضاً مرسلياً في العهد مع إبراهيم، قصد الله أن يصنع أمة ويباركها حتي تكون بركة للأمم. كان من المفترض لشعب إسرائيل ألا يتقاعس عن أداء دوره في أن يكون مرسل للعالم، لكن إسرائيل تقاعست. لم تكن دعوة إسرائيل أو إختيارها محاباة لها أو رفضاً لباقي الأمم، لكن لكي تكون إسرائيل بركة لجميع الأمم. ويعضض هذا شاهدين هما (خروج 19: 4 – 6) ومزمور 67.
خروج 19: 6: المشاركة في الكهنوت: أن يكونوا مملكة كهنة وأمة مُقدسَة، فيكونوا أمة كارزة. الكاهن لا يكون من أجل نفسه، بل من أجل الآخرين. لذلك، فكان غرض الله لشعب إسرائيل أن يتباركوا وأن يباركوا غيرهم من الأمم أيضاً. مزمور 67: كان إشتياق أن يكون الله رباً ومخلصاً لجميع شعوب الأرض فيحمدوه ويشكروه.الشعوب الأخرى لم تكن خارج خطة الله للخلاص ولمعرفته.
- هيكل سليمان:
كان هدف الهيكل هو عبادة الله، ليس من قبل شعب إسرائيل فقط ولكن من قبل كل الشعوب. رواق الأمم هو المكان بالهيكل الذي كان مصرحاً أن يأتي إليه أناساً من كل الأمم ليعبدوا الله في الهيكل.
كان رواق الأمم هو المكان الذي كانت تتم فيه التجارة وقت المسيح، وهو ما يعني أن شعب إسرائيل لم يحسن إستخدام هذا المكان وأنهم لم يقوموا بدورهم المرسلي في أن يكونوا بركة لكل الشعوب.
عندما غضب المسيح وطرد الباعة والصيارفة قائلاً "بيتي بيت الصلاة يدعي لجميع الأمم. وأنتم جعلتموه مغارة لصوص". (متي 21: 13 ومرقس 11: 17 و لوقا 19: 46) مستشهداً بالآية المذكورة في إشعياء 56: 7 "بيتي بيت الصلاة يدعي لكل الشعوب".
أراد الله أن يكون شعب إسرائيل ملح ونور ويعرف العالم كله عن يهوه من خلاله.
- الله إختار أمة ليجلب المخلص منها.
خطة الله الأزلية للخلاص هي أن المسيح يتجسد، يعيش، يموت ويقوم بين البشر. فتتحقق البركة المستقبلية التي عهد الله بها لإبراهيم ويحدث تتميم الوعد في المسيح.
ثانيًا أراد الله إظهار ماهية المجتمع الذي يعيش بحسب وصايا الله،
حيث كان من المفترض أن إسرائيل تعيش بحسب وصايا الله وتظهر للعالم أن مجتمعاً محكوماً بالناموس هو مجتمعاً مثالياً. كما كان الله معروفاً للأمم أيضا ويرحب بأن يقبله الأمم: كما في قصص: راحاب (يشوع 2)، نعمان السرياني (2 مل 5)، راعوث (سفر راعوث)، شعب نينوي (سفر يونان).
ثالثًا في إسرائيل، أُظهرِت قساوة الإنسان وتبيّن فساده.
إسرائيل دائماً كانت تفشل في طاعة وصايا الله، الناموس كان وصايا الله التي فشل شعب إسرائيل في طاعتها كليةً برغم كل الإمكانيات التي أعطاها الله لهم. وبذلك أثبتت أن الله قدوس وأن الإنسان فاسد أخلاقياً ويحتاج لمخلص. "لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه. لأن بالناموس معرفة الخطية". (روميه 3: 20).
رابعًا قصد الله أن يدخل في التاريخ ويظهر نفسه للجنس البشري،
ودخول الله إلي التاريخ البشري كان سيجعله يدخل من شعب معين، وأياً كان الشعب الذي اختاره الله، كان نفس السؤال سيتم طرحه أيضاً. لو اختار الله الشعب الصيني، كان السؤال سيكون: هل الله عنصري لأنه إختار الشعب الصيني ليأتي منه المسيح؟
الله لم يختار الشعب الإسرائيلي لكونهم شعباً مميزاً، ولكن الاختيار كان وسيلة وليس الغاية.
«لأَنَّكَ أَنْتَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. إِيَّاكَ قَدِ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَكُونَ لَهُ شَعْبًا أَخَصَّ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، ليْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ التَصَقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ لأَنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ. بَل مِنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ إِيَّاكُمْ وَحِفْظِهِ القَسَمَ الذِي أَقْسَمَ لآِبَائِكُمْ أَخْرَجَكُمُ الرَّبُّ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ العُبُودِيَّةِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ. فَاعْلمْ أَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ هُوَ اللهُ الإِلهُ الأَمِينُ الحَافِظُ العَهْدَ وَالإِحْسَانَ لِلذِينَ يُحِبُّونَهُ وَيَحْفَظُونَ وَصَايَاهُ إِلى أَلفِ جِيلٍ» (تثنية 7: 6 – 9).
كما أن شعب إسرائيل تعرض لنفس طبيعة معاملات الله مع باقي الأمم الأخرى مثل العقاب في حالة عدم الطاعة مثل السبي الآشوري والسبي البابلي والدفع ليد الأعداء طوال عصر حكم القضاة. فلم يكن الله محابياً لشعب إسرائيل ويتغاضى عن مطاليب قداسته، بل كان عادلاً وقدوساً مع جميع الشعوب بما فيهم الشعب الإسرائيل، كما هو رحيم ومحب لجميع الشعوب أيضاً.
خامسًا عهد الله مع شعب إسرائيل كان مشروطاً: بالطاعة والقداسة والتخصيص للرب.
"فَالآنَ إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي، وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. فَإِنَّ لِي كُلَّ الأَرْضِ". (خروج 19: 5). كان الله يؤكد كثيرًا على أهمية طاعة الشعب له وأن
الخلاصة:
الله ليس عنصرياً لأنه خلق البشر جميعهم من غمر محبة ويحبهم كلهم. إذا أعطي مجموعة منهم مسئولية، فهذا لا يجعلهم أفضل من غيرهم، بل يجعل واجباتهم أكثر وأيضاً يكون الضوء عليهم أكثر وليشاركوا في إيصال نور الله للعالم كله.
لذلك، اختيار الله لشعب إسرائيل ليس على سبيل الإمتياز الحصري الذي ينتج عن تمييز عنصري، بل عن اختيار لمسئولية وتكليف.
المراجع:
ونتر، رالف. هوثورن، ستيف. أبعاد رسالة الإنجيل في العالم، المجلد الأول، كلية اللاهوت الإنجيلية. القاهرة. ص. 39
شاكر، عزت. إله العهد القديم إله الدماء. دار الثقافة. القاهرة. 2012، ص. 355 - 364
https://www.youtube.com/watch?v=uVN7aJps8h4