في الجزء السابق تحدّثنا عن ردّ ألفين بلانتينجا حول مُعضلة الشرّ، وأنّه بوجود سبب كافي أخلاقيًّا [Morally Sufficient reason] يُمكن أن يوجد إله كُليّ القُدرة وكُليّ المعرفة وخيّر في ذاته، ويوجد شرّ في هذا العالم. وقد طرح ألفين أنّ هذا السبب هو حُريّة الإرادة. وقد أعتبر هذا الردّ هو أفضل ردٍّ قُدِّمَ ضدّ الحجّة المنطقيّة لإشكاليّة الشرّ. فقد قال الفيلسوف جون إل. ماكي [J.L. Mackie] عن هذه الحجّة:

"بما أنّ هذا الدّفاع يُعدّ منطقيًّا ومفهومه ولا يتعارض مع نظرتنا للتناقُض بين الخير والشرّ. فيُمكننا أن نعترف بأنّ إشكاليّة الشرّ لا تُظهر - بعد كلّ شيء - أي تناقُض منطقيّ مع العقيدة الأساسيّة للإيمان بالله.  ولكن، هل هذا يعرض حلًّا حقيقيًّا للمشكلة، فهذا تساؤل آخر."[1]

فجون إل. ماكي وغيرة من الفلاسفة الّذين يستندون على إشكاليّة الشرّ كونها صخرة الإلحاد الّتي لا تُقهر. اعترفوا بأنّ هذا الحلّ من الناحية المنطقيّة، هو صحيح. ولكنّهم اختلفوا معه في كونه حلًّا يُفسِّر وجود الشرّ ككُلّ.

اعتراضات على طرح ألفين بلانتينجا

قُدِّمَ نقدٌ لردّ ألفين بلانتينجا ينُصّ على الآتي: بما أنّ الإله كُليّ القُدرة، فلِمَ لا يخلق كائنًا حُرّ الإرادة، وفي نفس الوقت لا يختار إلّا الخير. وللردّ قدّم ألفين تصوّر لعالمين[2] ليرى أيٍّ منهما يمكنه أن يكون موجودًا بشكلٍ منطقيٍّ:

- العالم الأوّل


1.  الله خلق أشخاص لديهم حُريّة إرادة.
2. الله يؤثّر بشكلٍ ما على اختيارات هؤلاء الأشخاص لكي يختاروا الخير وتجنّبوا الشرّ.
3. بالتّالي لن يوجد شرّ أو مُعاناة في العالم.

- العالم الثاني


1.  الله خلق أشخاص لديهم حُريّة إرادة.
2.  الله لن يؤثّر بشكل ما على اختيارات هؤلاء الأشخاص لكي يختاروا الخير وتجنّبوا الشرّ.
3. بالتّالي لن يوجد شرّ أو مُعاناة في العالم.

عند دراسة العالم الأوّل نجد وجود تناقُض منطقيّ صريح، في كون أنّ هؤلاء الأشخاص أحرارًا في الإرادة، وفي نفس الوقت لا يختاروا إلّا الخير فقط.

فحُريّة الإرادة في هذا العالم هي الاختيار ما بين أن تفعل الخير أو ألّا تفعله. ففي هذه الحالة يوجد تناقُض منطقيّ. فلن يكون لديهم القُدرة على القتل والسّرقة. لذلك لا يُمكن أن يكون هناك احتمال في وجوده. علي عكس العالم الثّاني، فهو من الممكن أن يوجد بشكل منطقيّ. فلا يوجد أي تناقُض في أن يمتنع البشر عن فعل الشرّ بإرادتهم، وإن كان هذا من الأصعب ولكنّه يظلّ "من الممكن" وليس "من المُستحيل". فلهؤلاء الأشخاص لديهم الحُريّة في فعل الخير أو عدم فعل الخير. ولكن يجب الإشارة إلى أنّ هذه الحُريّة ليست حُريّة مُطلقة، فالبشر بطبعهم محدودين إمّا ببعض العوامل البيولوجية والبيئية في بعض الأوقات أو ببعضهم البعض. فحُريّاتهم تتداخل مع بعضها في بعض الأوقات. فلا يوجد فعل أو سلوك له تأثير فرديّ مُطلق، أي إنّه يؤثّر على الشخص الذي قام به فقط. إنّما ينعكس على من حوله في صور خيّرةٍ للبعض وشريرةٍ للبعض الأخر. تطرّق ألفين إلى جزء آخر في طرحِهِ وهو قُدرة الله في الخلق. فالله قادر علي خلق كلّ ما هو مُمكن منطقيًّا، وليس ما هو غير مُمكن منطقيًّا. لذلك فكرة أنّ الله يخلق العالم الأوّل مُستحيلة منطقيًّا [Logically Impossible].

مُعضلة الشرّ الطبيعيّ

رغم أنّ ردّ ألفين كان منطقيًّا للردّ على إشكاليّة الشرّ المنطقيّة، إلّا إنّه قدّم تفسيرًا لإشكاليّة الشرّ الطبيعي تتطلّب من القارئ إيمانًا. وهو ما قد يرفضه أيّ شخصٍ مُلحد. فمُطالبته بالإيمان بشخصيّة آدم وحوّاء كونهم جزء من التاريخ البشريّ، وأنّ حدث السقوط وتوابعه هي أحداث تاريخيّة تمّت مُنذ تقريبًا 6000 سنة. هو جزء يتعلق بالإيمان بالنسبة للمُتشكّكين. وقد قدّم الفيلسوف الأمريكيّ ويليام روي [William Rowe] قصّة الغزالة بامبي [Bambi][3] على أنّه شرّ غير مُبرّر، وأنّه لا يوجد أي سببٍ منطقيٍّ يُبرّر حدوثه. في هذا الجزء لا يُمكننا أن نُهمل مدى تأثير فكرة الشرّ الطبيعيّ على البشر عمومًا. فأتذكّر أنّ تشارلز تمبلتون [Charles Templeton] المُشبّر السابق ورفيق الواعظ بيلي جراهام [Billy Graham] قد تحوّل إلى الـلاأدريّة بسب مشاهدة صورة لأُم من أفريقيا تحمل بين يدها طفلها وهم يُعانون من الجوع وينظرون إلى السماء. فقد احتجزه هذا المشهد سجينًا لفكرة: إنّ عالم كهذا لا يمكن أن يكون فيه إله صالح، ويستطيع أن ينظر لمثل هذا المشاهد بسلام وارتياح. في الحقيقة هذا المشهد مؤلم.

حقًّا لا أحد منّا يستطيع أن يقف أمام مُعاناة أيّ شخصٍ دون أن يُشاركه ألمه، فمَنْ مِنَ البشر لم يُعاني الألم؟! فقد ذكر الكتاب المُقدّس أنّ يسوع قد عانى الألم في فترة تجسّده على الأرض. لكن في هذا الطّرح -أي الشرّ الطّبيعيّ- هل حقًّا هناك ما يُسمّى بالشّر الطّبيعيّ؟

كارثة طبيعيّة أمْ كارثة من صُنع الإنسان؟

تمّ تعريف الشرّ الطبيعيّ من قِبل الفيلسوف جون هيك [John Hick] على إنّه "الأحداث الّتي تقع بمعزلٍ عن أفعال البشر: الأمراض، الزلازل، الأعاصير، الجفاف ... إلخ"[4]. وهو ما دفع الفيلسوف ويليام روي [William Rowe] للنّظر له على إنّه شرّ غير مُبرّر في قصّة حريق الغابة الّذي قتل الغزالة بمبي بعد صراعها مع الألم لوقت. أمام هذه القصص لا نجد سوى سؤال واحد: لماذا يقع مثل هذا الشرّ علي البشر والطبيعة؟ والسؤال الأشهر في هذه القضيّة "ما ذنب النباتات!". أمام هذا الطّرح يشعر البعض منّا بالعجز، ولكن أستطيع أن أسال سؤالًا قبل تقديم أيّ دفاعٍ أو هجومٍ على هذا الإله. هل هو فعلًا هو المُسبّب لهذه الأفعال؟ في الحقيقة بشكلٍ غير مُباشر نعم. فهو من قدّم هذا الكون بهذه الكيفيّة والضبط. والسؤال التّالي الّذي أطرحه: هل المقصود من هذا الضبط هو قتل البشر وإلحاق الضّرر والألم بهم؟ للإجابة علينا أن نفهم الموضوع بشكلٍ موسّع، فَفهم آليّة تكوين الزّلازل والأعاصير والمجاعات والجفاف وفهم دور كُلٍّ من الزلازل والبراكين في هذا الكوكب هو شيء مُهمّ للإجابة. فالموضوع أشبه بتقديم هجومٍ على خالق هذا الكون لأنّه خلق قوى الجاذبيّة في هذا الكون، والّتي تسبّبت بقتل 10 آلاف مُتسلّق لجبل إيفرست من أصل 14 ألف مُتسلّقٍ في عام 1922[5]. لا يُمكن أن نستثني محدوديّة هذا الكون ومحدوديّة أفعالة. فقوى مثل الجاذبيّة هي مُؤثّرة بشكلٍ لا يُمكن إنكاره في تنظيم هذا الكون وتنظيم الحركة والتعايُش فيه. ولكن تحديّ هذه القوى له تابعيّات لا يُمكن أن نلوم أيّ شخصٍ غير الّذي تحدّاها. ولضيق مساحة هذا الطرح سنتناول بعض الموضوعات بشكلٍ مُختصر جدًّا لمُحاولة معرفة ما إذا كان الخالق يُريد من هذا الضّبط أن يقتل البشر، أو أنّ محدوديّة هذا الكون وقوانينه تسيّره على شكلٍ مُنظّمٍ تجعله مُهيئ للحياة.

الزّلازل


من المعروف أنّ الزّلازل تتكوّن نتيجة حركة الصفائح الصخريّة في القشرة الأرضيّة. وبغضّ النّظر عن فوائد الزّلازل الّتي ساعدت على تكوين شكل القشرة الخارجيّة لكوكب الأرض، والّذي له دور رئيس في دورة المياه في الطّبيعة، أو تَشَكُّل القشرة الخارجيّة لسطح الأرض على مدار 210 مليون سنة. أو إخراج العناصر الغنيّة من الطّبقات السُّفلى للقشرة الأرضيّة للسطح الخارجيّ.[6] فإنّ الزّلازل تحدث بشكلٍ طبيعيٍّ ومُستمرٍّ طول الوقت دون أن تُسبِّب أضرار. ولكن يجب النّظر إلى نقطتين، الأولى أنّ من العوامل الرئيسة في تكون هذه الحركات هو الضّغط الحراريّ في كوكب الأرض فكُلّما زاد الحِمل الحراريّ الّذي تمتصُّه الأرض زاد مُعدّل تكوين الزّلازل بقوى عالية. ولا يُمكن إهمال دور ثُقب الأوزون في هذه النّقطة، والّذي حدث بسبب سوء استخدام البشر للطّبيعة. ولكن مُؤخّرًا تمّ اكتشاف عدّة عوامل أخرى تؤدّي بشكلٍ حتميّ لوقوع زلازل عنيفة. فالاختبارات النّوويّة الّتي تتمّ في أعماق المُحيطات وبناء السّدود على ضفاف الأنهار واستخدام القنابل في تفجير الجبال والمناجِم وحَقن أبار الغاز بالماء لتسهيل عمليّة استخراج الغاز، كُلّها عوامل تسبّب زلازل على المدى البعيد[7]. فيبدو أنّ للبشر دور مُهمّ في وقوع هذه الزلازل. والأهم أنّ للبشر دور كبير في التّقليل من خسائر وأضرار الزّلازل. فبمُقارنة زلزالين بنفس الشدّة في بلدين مُختلفين، أحدهم دولة مُتطوّرة والأُخرى نامية نجد فرقًا مهولًا[8]!

البراكين


وبنفس القياس نجد أنّ للبراكين فوائد كثيرة، منها خروج الحِمم المُحمّلة بمواد وعناصر غنيّة مُفيدة في المجالات الصناعيّة والزراعيّة، وكذلك له دور رئيس في اتزان الحرارة داخل باطن الأرض وخارجها. ولها دور مُهمّ في تشكيل القشرة الخارجيّة لسطح الأرض وتكوين الغلاف الجوي. فتوفّر البراكين العديد من الأماكن الدّافئة مثل؛ الينابيع السّاخنة والطاقة الحراريّة الأرضيّة المُفيدة في علاج بعض الأمراض[9]. وبدارسة البراكين نجد أنّ العُنصر الأساسيّ في نشاطها هو ارتفاع درجة الحرارة في الطّبقات السُّفلى من الأرض والّذي يحدث بدروه نتيجة امتصاص الكثير من الأشعّة والحرارة الّتي تنتج بسبب ثقب الأوزون والاحتباس الحراريّ. فلا مفرّ من دور الإنسان في وقوع مثل هذه الحوادث. ولا مفرّ من دور الإنسان في مُعالجة التعامُل معها.  

وهكذا وبدارسة أسباب الجفاف والمجاعات والأعاصير يتضّح أنّ للبشر دور كبير في وقوع هذه الكوارث فسوء استخدام البشر للطبيعة ومقاومتهم أو جهلهم بآليّة عمل هذا الكون وبالتّحديد كوكب الأرض، أسفر عن وقوع الكثير من الخسائر. لا أقدّم هنا تبريرًا لله بقدر لوم للبشريّة. فجشع بعض التُّجار واستغالهم لا يُمكن أن يُدان عليه الإله. وسوء استخدام الموارد الطبيعيّة لا يُمكن أن يقع على عاتق الإله. وتعامُل البشر السيّء مع أجسامهم والّذي يؤدّي إلى أمراض مُميتة ومورثة لا يُمكن أن ألوم عليه غير البشر[10]. ومنه يتّضح أنّ الشرّ الطّبيعيّ – كما سمّيَ – هو ناتج في أغلب الأوقات للشرّ الأخلاقيّ. فإن كُنتَ لا تؤمن بقصّة السّقوط أو تاريخيّة آدم وحواء، لكنّك لا تستطيع أن تُنكر أنّ فساد البشر وشرّهم له تأثير على كُلّ المُستويات، سواء على أنفُسهم أو الآخرين من حولهم أو الطّبيعة. فمحدوديّة حُريّتنا وتقاطعها في ظلّ وجود الشرّ الأخلاقيّ في نفوسنا بالضرورة سيُشكّل كوارث. في الختام سأذكّركم بقول سي إس لويس:

"حاول أن تستبعِد المُعاناة الّتي يُسبّبها النّظام في الطّبيعة وحُريّة الإرادة، وتستجد أنّك استبعدت الحياة نفسها". [11]

في هذا الجزء قدّمنا مناقشة سريعة حول فكرة الشرّ الطبيعيّ، وفي الجزء القادم سنُناقش طرح المنظومة المسيحيّة حول ماهيّة الشرّ.

لقراءة باقي أجزاء هذا المقال:
الجزء الأول، الجزء الثاني، الجزء الثالث

 

[1] - جون إل. ماكي، كتاب [The Miracle of Theism Arguments For and Against the Existence of God]، صفحة 154.

[2] - يمكنك القراءة المزيد عن هذا الطرح والردود علية هنا: https://iep.utm.edu/evil-log/#H4

[3]  قدم الفليسوف ويليام روي قصة جديلة عن وجود شر غير مبرر في هذا العالم. فتحدث عن قصة الغزالة بامبي التي كانت تعيش في غابة وقد اندلع حريق في هذه الغابة. فسقطت عليها أحد الأشجار مما تسبب في اصابتها بجروح بَالَغَه. وبعد عدة أيام من صراعها من الألم ماتت.
   - الكاتب [William L. Rowe]، كتاب [Philosophy of religion]، اصدار [Wadsworth Pub. Co. - 1993]، ص 80.
   - https://bit.ly/3b1dTIe

[4] - جون هيك، كتاب [Evil and the God of Love]، اصدار [Marilyn McCord Adams 2007]، صفحة 12.

[5] - 1. https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_deaths_on_eight-thousanders
     2. https://en.wikipedia.org/wiki/1922_British_Mount_Everest_expedition
     3. https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D8%A8%D9%84_%D8%A5%D9%81%D8%B1%D8%B3%D8%AA

[7] - الكاتب [Bruce A. Bolt]، كتاب [The Seismic Design Handbook]، فصل [THE NATURE OF EARTHQUAKE GROUND MOTION]، ص 9 -10
   - الكتاب [Hyndman, Donald W]، كتاب [Natural hazards & disasters]، اصدار [2017, 2014 Cengage Learning]، فصل 2 – 4.

[8] - زلزال ويتر ناروز 1989 في كاليفورنيا في الولايات المتحدة كان بشدة 6.9 ريختر نتج عنه مقتل 68 شخص. وزلزال هايتي في 2010 وكان بشدة 7 ريختر والذي نتج عنه مقتل 230.000 شخص. [نقلا عن د. يوسف يعقوب: https://www.youtube.com/watch?v=7tAC3KlzKvY] ومحقق من كل من [https://en.wikipedia.org/wiki/2010_Haiti_earthquake] و[https://www.bbc.com/arabic/earthquake.shtml].

[9] - https://www.accuweather.com/en/weather-news/6-ways-volcanoes-benefit-earth-our-environment/348155

[10] - إيمان الأمام – Espitalia – الاسبتالية حلقة "إحنا اللي خلقنا أمراضنا ؟!": https://www.youtube.com/watch?v=c2FugttheQ0

[11] - سي إس لويس، كتاب [The Problem of Pain Quotes]، أصادر [HARPERCOLLINS EDITION 2001]، ص 25.