
قضايا العهد القديم >
مكانة المرأة في المسيحية (ج2)
نانسي عزيز
2/20/19 - ٥ دقيقة قراءة
مكانة المرأة في العهد الجديد
لقد قرأنا في الجزء الأول من هذه المقالة عن مكانة المرأة في العهد القديم؛ كيف أن الله خلق الرجل والمرأة متساويين في القيمة وكيف أنهما يعكسان صورته الكاملة. ومن خلال رحلة قصيرة عبر صفحات العهد القديم، رأينا أمثلة لبطلات استخدمهن الله لصُنع فرق في مجتمعاتهن ولا سيما في حياة رجال من حولهن.
والآن دعونا نقف عند العهد الجديد، هل يتسق العهد الجديد مع العهد القديم في نظرته للمرأة؟ هل يُبرز العهد الجديد أيضًا قصصًا لبطلات في الإيمان؟ وماذا عن تعاملات الرب يسوع مع المرأة؟ لماذا لم تكن المرأة ممثلة من بين الاثنى عشر تلميذًا؟ سنتطرق لهذه الأسئلة وغيرها في هذا الجزء.
كتب الكاتب الشهير فيليب يانسي:
"يسوع المسيح تخطى عادات ومعتقدات زمنه في كل مرة تعامل فيها مع امرأة في الأناجيل الأربعة." 1
نشأ يسوع في ثقافة بها تفرقة وتمييز واضح ضد المرأة. كان هناك صلاة يومية لليهود تقول: "مباركٌ الرب الذي لم يخلقني من الأمم، مباركٌ الرب الذي لم يخلقني امرأة، مباركٌ الرب الذي لم يخلقني رجل جاهل." 2 ولكن نظرة في الأناجيل الأربعة تبين الفارق الكبير بين الثقافة السائدة ومعاملات يسوع مع المرأة.
فمن المذود إلى الصليب إلي القبر إلى القيامة، نجد المرأة. بداية من الإعلان الإلهي المجيد بالتجسد للعذراء مريم وتسبحة العذراء التي في حد ذاتها مليئة بالتعليم المسيحي العميق عن التواضع والإيمان والثقة والخضوع والتسليم، ودروس أخرى كثيرة! إلى أليصابات التي كانت أول من دعت المسيح "رب" وهو لا يزال في رحم العذراء مريم قبل أن تشارك مريم أليصابات بالخبر، فقالت: "فَمِنْ أَيْنَ لِي هَذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" (لوقا ١: ٤٣).
إلى حَنَّة النبية ذات الأربعة والثمانين عامًا التي كانت أول من سبحته، وأول من شاركت بالخبر السار بينما لم يتعدَ يسوع الأربعين يومًا! 3
يكتب لوقا: "فَهِيَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقَفَتْ تُسَبِّحُ الرَّبَّ وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ مَعَ جَمِيعِ الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً فِي أُورُشَلِيمَ" (لوقا ٢: ٣٨). وتمر الأيام ونصل إلى الصليب حيث نرى أن أغلب الرجال قد تخلوا عن المسيح، كما هو مكتوب: "حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلاَمِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا" (متى ٢٦: ٥٦) وأما النساء فلم يهربوا.. "وَكَانَتْ هُنَاكَ نِسَاءٌ كَثِيرَاتٌ يَنْظُرْنَ مِنْ بَعِيدٍ وَهُنَّ كُنَّ قَدْ تَبِعْنَ يَسُوعَ مِنَ الْجَلِيلِ يَخْدِمْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَأُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي" (متى ٢٧: ٥٥-٥٦). وحينها، وفي وسط آلام لا توصف ولا تحتمل، نظر يسوع بكل حب إلى يوحنا الحبيب وأوصاه ليهتم بأمه (يوحنا ١٩: ٢٦-٢٧). وبعد ثلاثة أيام، قام يسوع من الأموات، ولم يختر واحدًا من الاثني عشر ليشهد على اللحظة التي ستغير التاريخ البشري إلى الأبد، بل اختار امرأة، مريم المجدلية! لم تكن شهادة المرأة معترفًا بها في المحاكم اليهودية في تلك الأيام، 2 لكن بالرغم من هذا اختار المسيح امرأة لتشهد بأهم حدث في المسيحية! كما يقول راڤي زاكارايس:
"أهم حقيقة يستند عليها الإنجيل هي حقيقة القيامة... القيامة تستند على شهادة النساء اللاتي وثق يسوع بهن وأودع الإنجيل برمته بين أيديهن." 5
كتبت الكاتبة والشاعرة الإنجليزية دوروثي سايرز:
"لا عجب أن النساء هن أول مَن كن في المذود وآخر من تركن الصليب. لم تعرف النساء أبدًا رجلًا نظير ذلك الرجل ولم يعرف الزمان قط له مثيلًا. كان النبي والمعلم الذي لم يزعجهن قط، ولا تملقهن قط، ولا تعالى عليهن قط أو قادهن للانتفاخ الباطل قط، بل أخذ أسئلتهن ومحاجاتهن بمنتهى الجدية.. لم يلح عليهن لإظهار أنوثتهن، ولا من الجانب الآخر استهان بهذه الأنوثة.. لم يكن قط متعاليًا يخشى على كرامته الذكورية ويدافع عنها. كان دائمًا يقبلهن كما هن، متحررًا تمامًا من ذاته. ففي تعليمه وفي أفعاله قدم يسوع الخلاص للنساء والرجال على حد سواء." 6
نسب يسوع المسيح
إن نسب يسوع يضم أسماء لنساء مثل ثامار وراحاب وراعوث (متى ١:١-١٧). نادرًا ما يحوي نسب شخص يهودي أسماء نساء، ولا سيما امرأة استغلت حماها وامرأة زانية وامرأة من الأمم! 2
تعاليم المسيح
أزالت تعاليم المسيح الفوارق بين الرجل والمرأة. بينما كانت المرأة عادة ما تلام عندما يشتهيها رجل، في الموعظة على الجبل غيَّر المسيح هذا المفهوم الخاطئ بأن علّم أن الشهوة تبدأ في القلب، وينبغي على الرجال أن يتحملوا مسؤولية شهوتهم (متى ٥:٢٨). جدير بالذكر أيضًا أن المسيح خاطب الرجال والنساء في أمثاله (لوقا ١٥)، مشيرًا إلى أمور في حياة الرجال والنساء اليومية، فهو لم يقصِر تعليمه على الرجال فقط كما كان معتاد من معلمي اليهود.
تعاملات يسوع المباشرة مع المرأة
لم يكن مسموحًا للنساء في الثقافة اليهودية أن يتعلمن التوراة بل كانوا يُعلِّمون أن من علم ابنته الشريعة فكأنه يعلمها الزنى! 8 ولكن المسيح رحَّب بتلميذات مثل مريم أخت لعازر التي طالما جلست عند رجليه تراقبه وتتعلم منه. كما يقول د. ماهر صموئيل 9 : لم تذهب مريم أخت لعازر إلى القبر لأنها آمنت بما أعلنه لها يسوع عن موته وقيامته، بل سكبت الطيب الذي كانت تحفظه ليوم تكفين يسوع لأنها آمنت أنه سيقوم من الأموات (يوحنا ١٢: ١-٨).
إن أطول مناقشة لاهوتية أقامها المسيح كانت مع امرأة! حتى تلاميذه صُدموا عندما رأوا يسوع يتحدث مع امرأة.. وليست أي امرأة بل امرأة سامرية! كما تقول آمي أور-اوينج:
"كان المسيح يتعمد قلب فكرة التمييز بحسب الجنس رأسًا على عقب." 10
ليس ذلك فحسب، بل سمح المسيح لامرأة خاطئة أن تغسل قدميه بالدموع وتمسحهما بشعر رأسها في بيت فريسي! (لوقا ٧: ٣٦-٥٠). تمسك يسوع بما هو صواب برغم علمه بهجوم الناس الشرس عليه في المقابل.
كذلك سلك يسوع ضد التيار الثقافي أيضًا بأن سمح لنساء أن يخدمنه من أموالهن.. "وَبَعْضُ النِّسَاءِ كُنَّ قَدْ شُفِينَ مِنْ أَرْوَاحٍ شِرِّيرَةٍ وَأَمْرَاضٍ: مَرْيَمُ الَّتِي تُدْعَى الْمَجْدَلِيَّةَ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا سَبْعَةُ شَيَاطِينَ وَيُوَنَّا امْرَأَةُ خُوزِي وَكِيلِ هِيرُودُسَ وَسُوسَنَّةُ وَأُخَرُ كَثِيرَاتٌ كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ" (لوقا ٨: ٢-٣). بينما يكتب بن سيراك وهو معلم يهودي: "الغضب والإهانة والخزي يسودان عندما تخدم المرأة رجلها من أموالها." 11
المرأة في الكنيسة الأولى وفي تعاليم الرسل
إن بقية العهد الجديد الذي كتب من قِبل "أُنَاسُ اللَّهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (٢ بطرس ١:٢١) يشهد أن الكنيسة الأولى اتبعت مثال المسيح في التعليم ومعاملة المرأة. فعندما حل الروح القدس على التلاميذ في يوم الخمسين، كانت النساء معهم (أعمال الرسل ٢) وامتلأوا من الروح القدس. جدير بالذكر أيضًا أن أول كنيسة في أورشليم اجتمعت في بيت امرأة، مريم أم مَرقس (أعمال الرسل ١٢: ١٢) وأول كنيسة في أوروبا اجتمعت في بيت امرأة، ليديا (أعمال الرسل ١٦: ١٤-١٥، ٤٠). في رسالته إلى الكنيسة في رومية، يصف الرسول بولس فيبي أنها "خادمة الكنيسة" و بِرِيسْكِلاَّ وَأَكِيلاَ "الْعَامِلَيْنِ مَعِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ اللَّذَيْنِ وَضَعَا عُنُقَيْهِمَا مِنْ أَجْلِ حَيَاتِي" (رومية ١٦: ١-٤).
وأخيرًا في رسائل بولس للكنيسة في غلاطية وأفسس، يكتب هذا الكلام الموحى به من الروح القدس ليؤكد على تساوي الرجل والمرأة: "لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعاً وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (غلاطية ٣: ٢٨) ويعلِّم الأزواج أن يحبوا زوجاتهم كما أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها (أفسس ٥: ٢٥- ٣١). والرسول بطرس أيضًا، في تعليمة للأزواج يدعو الزوجات "كَالْوَارِثَاتِ أَيْضاً مَعَكُمْ نِعْمَةَ الْحَيَاةِ" (١ بطرس ٣: ٧).
من التكوين للرؤيا، كلمة الله والكلمة المتجسد يسوع المسيح، يتحَدّيان كل تيار ثقافي يحط من شأن المرأة ويتبنيان موقفًا ثابتًا في إكرام المرأة كالوارثات المخلوقات على صورة الله.
"لا توجد منظومة فكرية أخرى تحترم المرأة كما يحترمها يسوع المسيح" (راڤي زاكارايس). 12
المراجع
- 1 Philip Yancey, The Jesus I Never Knew (Grand Rapids, Michigan: Zondervan, 1995).
- 2 Jo Vitale, Is the Bible Sexist, Bible Elective, RZIM Academy.
- 3 ماهر صموئيل، النظرة المسيحية للمرأة، https://www.youtube.com/watch?v=Tp0YCD6E7P4
- 4 Jo Vitale, Is the Bible Sexist, Bible Elective, RZIM Academy.
- 5 Ravi Zacharias, Does God Favor A Gender? Ravi Zacharias International Ministries; available at https://www.youtube.com/watch?v=MD3CsFfLxlo
- 6 Dorothy L. Sayers, Are Women Human? Astute and Witty Essays on the Role of Women in Society (Grand Rapids, Michigan: Wm. B. Erdmans Publishing Co., 2005). تم الاستعانة بترجمة جزء منها من عظة : ماهر صموئيل، آه أيتها المرأة لو كنتِ تعلمين (٢)، https://www.youtube.com/watch?v=tyOlVNyZa-I
- 7 Jo Vitale, Is the Bible Sexist, Bible Elective, RZIM Academy.
- 8 Rachel Karen, Torah Study, Jewish Women’s Archive; available at https://jwa.org/encyclopedia/article/torah-study
- 9 ماهر صموئيل، آه أيتها المرأة لو كنتِ تعلمين (٢)، https://www.youtube.com/watch?v=tyOlVNyZa-I
- 10 Amy Orr-Ewing, Is Christianity Bad News for Women?, RZIM; available at https://www.rzim.org/read/rzim-global/is-christianity-bad-news-for-women
- 11 Is Christianity Oppressive or Liberating for Women?, C.S. Lewis Institute; available at http://www.cslewisinstitute.org/Is_Christianity_Oppressive_or_Liberating_for_Women_page4
- 12 Ravi Zacharias, Atheism, Feminism, and the Bible, Ravi Zacharias International Ministries; available at: https://www.youtube.com/watch?v=Fpmu42g6mDs
لمتابعة سلسلة المقالات من هذا المقال الأول.