حقيقة مكانة المرأة في المسيحية

هل يُفرق الله بين الرجل والمرأة؟ لماذا تبدو قوانين العهد القديم منحازة للرجل على حساب المرأة؟ لماذا لم يكن لدى المسيح تلميذات بين الاثني عشر؟ هل نجد في تعاليم العهد الجديد إعلاء من شأن الرجل فوق المرأة؟ سنتطرق لهذه الأسئلة وغيرها في جزئين.

لنأخذ جولة سريعة في العهدين- القديم والجديد- لنصل لإجابات لتلك الأسئلة وغيرها من أسئلة نافعة وتستحق البحث. وبينما نحن نفعل هذا، يتحتم علينا أن نُبقي في أذهاننا التمييز الهام الذي صاغه أستاذ وعالم العهد القديم (جون والتون):

"الكتاب المقدس لم يُكتب لنا ولكن لأجلنا." 1

كون الكتاب المقدس هو كلمة الله فهذا يجعله يتسامى فوق كل ثقافة وزمن، ولكن لنفهمه بدقة لابد أن نفهمه في القرينة التاريخية واللغوية والزمنية التي كُتب فيها. وبينما نضع هذا في اعتبارنا، دعونا نبدأ جولتنا في العهد القديم.

لابد أننا شاهدنا أو على الأقل سمعنا عن أفلام تدور حول آلة الزمن التي تصحبك إلى المستقبل أو تُرجعك إلى الماضي في لحظة. تخيل معي للحظات أنك انتقلت إلى الماضي وفجأة وجدت نفسك في بلد إقامتك منذ مئة عام. بالطبع ستكون لديك سيارة مختلفة تمامًا عن سيارتك الحالية، أو ربما لن تنعم برفاهية اقتناء سيارة من الأساس! قد يتطلب منك تغيير شكل ملابسك، قد تكون بعض الكلمات التي اعتدت استخدامها غير مفهومة للناس، وبكل تأكيد أجهزتك الالكترونية لن يكون لها أي وجود! والآن تخيل معي أنك رجعت للماضي ليس مئة عام ولكن ثلاثة آلاف عام، وهذه المرة لم تعد في بلد إقامتك! أنت في بلد غريبة، يتكلم فيها الناس بلغة غريبة.. الزمن مختلف كل الاختلاف.. وتشعر أن الشيء الوحيد المشترك بينك وبين هذه الثقافة هو كونك إنسان.. لا شيء آخر!! هذه هي القرينة التي يتحتم علينا قراءة وفهم العهد القديم من خلالها.

المرأة حسب الناموس (الشريعة اليهودية):

لنلقي نظرة على الناموس: لماذا لا يُسمح للمرأة أن تدخل المَقدِس أثناء الطمث؟ ولماذا يسمح للمرأة التي تلد ابنًا الدخول للمَقدِس بعد فترة من التطهير أقصر من المرأة التي تلد بنتًا؟ للإجابة على هذين السؤالين وغيرهما عن القوانين والنواميس التي تبدو غريبة لعقلنا في القرن الحادي والعشرين، لا بد أن:

  1. نفهم قصد الله من سَنْ كل هذه القوانين الكثيرة والدقيقة جدًا.
  2. نفهم أنواع القوانين المختلفة التي أمر بها الله.

إن هدف الله الرئيسي من إعطاء شعب إسرائيل كل هذه القوانين هو التخصيص.. أي أن يخصصهم ويقدسهم من بين كل شعوب الأرض ليعرف جميع شعوب الأرض أن إله إسرائيل قدوس. ففي سفر اللاويين، يؤكد الله مرارًا وتكرارًا أنه ينبغي على الشعب أن يتقدس لأن إلههم قدوس..

"إنِّي أنَا الرَّبُّ إلَهُكُمْ فَتَتَقَدَّسُونَ وَتَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لأني أنَا قُدُّوسٌ" (اللاويين ١١: ٤٤) وأن الرب نفسه هو مَن يقدسهم.. "وَتَحْفَظُونَ فَرَائِضِي وَتَعْمَلُونَهَا. أنَا الرَّبُّ مُقَدِّسُكُمْ." (اللاويين ٢٠: ٨).

وينبغي علينا أيضًا أن نميز بين أنواع القوانين المختلفة في العهد القديم. يمكن تقسيم القوانين إلى نوعين: القوانين الطقسية والقوانين الأخلاقية. القوانين الطقسية هي قوانين حددت ما هو نجس أو طاهر طقسيًا، أي الذبائح المقبولة وحالة الإنسان الذي يُسمح له بالدخول إلى المَقدس. الشخص الطاهر فقط هو مَن يُسمح له بالدخول إلى المَقدس، والذبائح الطاهرة فقط هي التي تُقبل.

أما القوانين الأخلاقية فهي حددت ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي، أي وجود الخطية من عدمه. فعندما تعلق الأمر بالمرأة في وقت الطمث، كانت تعتبر نجسة طقسيًا وليس أخلاقيًا. وذلك لأن الدم يرمز للحياة، وأي مصدر للحياة عندما يُسكب خارج الجسم يصبح رمزًا للموت ولا يمكن أن يوجد الموت في محضر الله القدوس- أي في المَقدس. نفس الأمر ينطبق على زرع الرجل الذي أيضًا يرمز للحياة، فإن سُكب خارج الجسم يرمز للموت. كذلك المرأة التي تلد ابنًا يسمح لها بالدخول الى المَقدس بعد مدة تطهير تقل عن المرأة التي تلد بنتًا؛ لأن البنات المولودات حديثًا كثيرًا ما ينزفن، فعلى الأم أن تتطهر مرة عن نزيفها ومرة عن نزيف ابنتها. "برغم غرابة القوانين الطقسية على مسامعنا، كانت دائمًا غايتها إبراز قداسة الله وقداسة شعب الله." 2

العهد القديم والمؤلفات القديمة المعاصرة له:

جدير بالذكر أيضًا أنه عند مقارنة العهد القديم بالمؤلفات القديمة الأخرى، يأخذ العهد القديم الصدارة في احترامه الغير مسبوق للمرأة. ففي (تكوين ١: ٢٧) يقول: "خَلَقَ اللهُ الانْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرا وَانْثَى خَلَقَهُمْ." وأما أفلاطون فيكتب أن الذكور فقط هم من خُلقوا من قبل الآلهة وأُعطوا أرواحًا..

"أولئك الذين يحيون حياة صحيحة يرجعون إلى النجوم، وأما الجُبناء والذين لم يعيشوا حياة صالحة، فالمنطق يُحتِّم عليهم أن يصبحوا إِناث في الجيل التالي."

(أفلاطون- القرن الخامس قبل الميلاد) 3 . بمعنى آخر، الرجال فقط هم من خُلقوا من قِبل الآلهة والجبناء وغير الصالحين منهم يصبحون نساء! كذلك، بينما يحثنا الكتاب المقدس بكل وضوح أن يكرم كل منا أباه وأمه (خروج ٢٠: ١٢)، أمر الحثيون الابن أن يكرم أباه فقط وأن يعامل أمه معاملة العبيد!! 4

"أصنع له معينًا نظيره"

منذ البدء، خلق الله الذكر والأنثى متساويين في القيمة، ليكمِّلوا بعضهم البعض. عندما خلق الله آدم، قال: "لَيْسَ جَيِّدا أنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ فَأصْنَعَ لَهُ مُعِينا نَظِيرَهُ." (تكوين ٢: ١٨). وكلمة "معين" لا تعني التقليل من شأن المرأة إطلاقًا، أو وضع المرأة في مكانة أقل من مكانة الرجل. فعند الرجوع لأصل كلمة "معين" في اللغة العبرية نجد أن الكلمة المستخدمة هي "ezer" وتظهر ٢١ مرة في العهد القديم؛ مرتين تستخدم في الإشارة إلى حواء و١٦ مرة تستخدم للإشارة إلى الله ذاته كمعين لشعبه! فمثلًا: يكتب كاتب المزامير في (مزمور ٧٠: ٥): "أَنْفُسُنَا انْتَظَرَتِ الرَّبَّ. مَعُونَتُنَا وَتُرْسُنَا هُو". وفي (مزمور ١٢١: ١،٢) يقول: "أَرْفَعُ عَيْنَيَّ إِلَى الْجِبَالِ مِنْ حَيْثُ يَأْتِي عَوْنِي. مَعُونَتِي مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ صَانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ". لقد اختار الرب أن يستخدم نفس الكلمة التي يستخدمها ليعبر عن معونته الإلهية لنا وكونه هو معيننا عندما وصف المرأة بأنها "معين" للرجل! فلا يمكن أن تعني كلمة "المعين" هنا شخص في مرتبة أقل من آدم!

وكلمة "نظيره" هي “kenegdo”  في العبرية وتعني مساوي ومختلف، مثل انعكاس الصورة في مرآة. إذًا فتعبير “ezer kenegdo”  هو اكتمال "هذه الصورة البديعة للشركة في أبهى تصوير لها؛ في بشر مخلوقين مختلفين ولكن متساوين في القيمة" 4 . خلق الله حواء من آدم وأعطاهما سلطانًا على الأرض، ليرعوها ويُخضعوها، فلديهم مهمة مشتركة معًا.

وليس هذا فحسب، ففور حدوث السقوط، وعد الله حواء أن الفداء سيأتي من نسلها: " وَأضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْاةِ وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأسكِ وَأنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ" (تكوين ٣: ١٥).

بطلات العهد القديم:

كذلك بقية العهد القديم مليء بالتعليم الإيجابي بخصوص المرأة، وأمثلة لنساء يسجل الكتاب المقدس قصصهم على أنهن بطلات.

فمثلاً: لا يمكنك أن تقرأ (أمثال ٣١) وتستشعر أي نوع من الدونية للمرأة، بل بالعكس نرى امرأة تعمل، وتستيقظ مبكرًا لتدبر أمور بيتها، امرأة قوية ولها كرامة، ولا تخشى المستقبل بل تضحك على الزمن الآتي، وتتقي الرب، حكيمة في التجارة ورائدة في إدارة اعمالها. تُمدح من زوجها وأولادها. إن هذه الفقرة من سفر الأمثال "تأييد رائع لامرأة مجتهدة جدًا" 6 .

أما عن البطلات في العهد القديم، فيعوزنا الوقت والمساحة لسرد قصصهم البديعة.. بطلات مثل أستير التي أنقذت شعبها برمته، وسارة التي باركها الله بالتحديد، وذكرها كاتب العبرانيين من ضمن أبطال الإيمان كقدوة للنساء، وأبيجايل التي بحكمتها أنقذت داوود من اندفاعه، ويوكابد أم موسى التي برؤيتها الثاقبة أوجدت مخلص لشعب الله، ودبورة النبية الحكيمة (أم شمشون) التي وثقت أن الرب سيعطيها ابنًا، وعندما ظن زوجها أنهما حتمًا سيموتان بعدما رأيا ملاك الرب، طمأنت زوجها بهذه الكلمات الحكيمة: "لَوْ أَرَادَ الرَّبُّ أَنْ يُمِيتَنَا لَمَا أَخَذَ مِنْ يَدِنَا مُحْرَقَةً وَتَقْدِمَةً، وَلَمَا أَرَانَا كُلَّ هَذِهِ، وَلَمَا كَانَ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ أَسْمَعَنَا مِثْلَ هَذِهِ" (قضاة ١٣: ٢٣)، وغيرها وغيرها من بطلات للإيمان.. 7

فالعهد القديم من أول أصحاح إلى آخر أصحاح متفق تمامًا مع رؤية الله للمرأة بكونها متساوية للرجل في القيمة. فقد خلق الله الرجل والمرأة ليعكسوا صورته الكاملة، ونرى كيف أنه بالرغم من التشوه الذي جلبته الخطية بسبب اختيار الإنسان أن ينفصل عن الله، إلا أن الله لا يزال يقدس الإنسانية في صورة الرجل والمرأة كمخلوقين على صورته ومثاله. فَهُم على قمة إبداعه في الخلق، وبنعمته الفائقة يُشركهما في خطة الفداء العظيمة للبشرية.

"هؤلاء الذين يزعمون أن مناصرتهم لحقوق المرأة تمنعهم من قبول المسيحية لا يدركون أن المساواة التي يحاربون من أجلها قد أسسها منذ البدء نفس إله المسيحية الذي يرفضونه". 4

في المقالة القادمة سوف نتابع نظرة العهد الجديد للمرأة!

 لقراءة الجزء: الأول، الثاني 

المراجع
  • 1 John Walton, The Lost World of Adam and Eve (Downers Grove, IL: InterVarsity, 2015), 14.
  • 2 Jo Vitale, Outrageous Sounding Laws in the OT, RZIM Academy.
  • 3 Plato, Timaeus: Genesis of Other Animals; translation available at https://www.ellopos.net/elpenor/physis/plato-timaeus/genesis-animals.asp
  • 4 Jo Vitale, Is the Bible Sexist, Bible Elective, RZIM Academy.
  • 5 Jo Vitale, Is the Bible Sexist, Bible Elective, RZIM Academy.
  • 6 Amy Or-Ewing, Is Christianity Bad News for Women, Zacharias Trust; available at https://www.zachariastrust.org/is-christianity-bad-news-for-women
  • 7  ماهر صموئيل، آه أيتها المرأة لو كنتِ تعلمين (١)، https://www.youtube.com/watch?v=tyOlVNyZa-I
  • 8 Jo Vitale, Is the Bible Sexist, Bible Elective, RZIM Academy.

لمتابعة سلسلة المقالات من هذا المقال الثاني.