انتهينا في الجزء الأول من المقال أن المشكلة الأكبر تقع فى التحدى الإحتمالى لمشكلة الشر!

التحدى الإحتمالى لمشكلة الشر

إن كان من الممكن أن يكون الله موجود مع وجود الشر، فهذه إمكانية نظرية. لا يوجد ما يمنع أن يوجد الله ويوجد الشر. ولكن الحديث عن إحتمالية وجود الله رغم وجود الشر هو شىء آخر. فى التحدى المنطقى نحن نتعامل مع مجرد إمكانية يسهل تخيلها فى العقل، ولكن فى التحدى الإحتمالى نحن نتعامل مع إحتمالية أن يكون الله موجود فعلياً رغم كل الشر الموجود فى العالم. وهذا التحدى أكبر وأعمق وأهم من التحدى المنطقى.

من السخف أن نظن أن الشياطين وراء كل ما يحدث فى العالم من شرور طبيعية. هناك شرور كثيرة تبدو بلا هدف ولا نفع من ورائها. لا يوجد ورائها سوى بكاء ونحيب. لذا الموقف الإلحادى يرى التالى: حتى لو كان من الممكن أن نتخيل نظرياً أن الله موجود رغم وجود الشر، فواقعياً هذا غير مُحتمل.

وكما صاغ الفيلسوف المسيحى بلانتينجا معالجة منطقية للتحدى المنطقى لمشكلة الشر، فإن الفيلسوف المسيحى وليام لين كريج صاغ معالجة منطقية للتحدى الإحتمالى لمشكلة الشر. ومعالجة كريج يمكن تلخيصها فى النقاط الثلاثة التالية:

- بما أن الإحتماليات تُقاس بمرجعية، فإن المرجعية الكاملة لقياس إحتمالية وجود الله ليست فقط وجود الشر: بكلمات أخرى، يقول كريج أن تحديد لماذا وجود الله مُحتمل أو غير مُحتمل هو أمر نسبى بين شخص وآخر. لأن مدى واقعية الإحتمال يعتمد على خلفية كل شخص. لنأخذ هذا المثال: أغلب طلبة الجامعات يشربون البيرة. "جو" طالب جامعى. إذاً من المحتمل أن "جو" يشرب البيرة. هذا هو الإستنتاج بحسب المعلومات المتاحة لخلفيتنا الآن. ولكن إذا عرفنا أن "جو" طالب بجامعة مسيحية، وأن أغلب طلاب هذه الجامعة لا يشربون البيرة، إذاً فالأكثر إحتمالاً هو أن "جو" لا يشرب بيرة. هل ترى كيف يتغير الإستنتاج بناءاً على المعلومات المتاحة أمامنا؟ الإحتمالات يجب أن تُقاس بناءاً على كل أجزاء الدليل وليس جزء محدد منه.
والآن بالنسبة إلى الله، فالموقف الإلحادى يدعى أن الله من غير المحتمل أن يكون موجود بناءاً على وجود الشر. ولكن هذا سيكون صحيح لو أن "وجود الشر" هو كل ما نملكه من أدلة. بكلمات أخرى، إحتمالية وجود الله من عدمه لا يجب أن تُقاس بناءاً على جزء من الدليل تم إختياره بطريقة إنتخابية، وهو وجود شر فى العالم. لكن إحتمالية وجود الله من عدمه تُقاس فى ضوء الدليل المتاح لنا بالكامل. المحاججة الكونية، المحاججة الوجودية، المحاججة الغائية، والمحاججة الأخلاقية تقدم لنا بقية أجزاء الدليل. وبالتالى فبناءاً على المعلومات المقدمة من هذه الأدلة بجانب وجود الشر فى العالم فإن وجود الله يكون أكثر إحتمالاً من عدمه.

- نحن لا نعرف الكثير الذى يؤهلنا لأن نحكم بثقة أن الله ليس لديه أسباب أخلاقية كافية لأن يسمح بحدوث الشر: أى أنه إن كان هناك أسباب أخلاقية كافية لدى الله لحدوث الألم والشر الموجود فى العالم فلن يجعل الشر الموجود وجود الله أقل إحتمالا من عدم وجوده. أى أننا نقول على إحتمالية وجود الله ضعيفة نتيجة وجود الشر بسبب أننا لا نعرف على وجه الدقة ما الأسباب التى تجعل الله يسمح ببعض مظاهر الشر والألم فى الحياة. لكن دعونا نواجه المشكلة بأمانة: ليس لدينا معرفة كافية تمكننا من الحكم على أسباب الشر والألم التى قد تكون لدى الله فيسمح به. منظور الله مختلف عن منظورنا، وما نظنه ألم وشر بلا هدف، بلا قصد، وبلا خير من وراؤه، سببه أننا مخلوقات محدودة المعرفة. نحن لا نعرف ولا نفهم الكون المحدود المحيط بنا، فكيف يمكننا أن نفهم الله الغير محدود؟ ببساطة، موقفنا المعرفى ضعيف بما لا يسمح لنا أن نفهم أسباب الله لسماحه بالألم والشر الموجود بالعالم.

- الإطار المنظورى المسيحى يحتوى على عقائد تُعلى من إحتمالية وجود الله رغم كل شر موجود: أى أن إحتمالية وجود الله فى ظل وجود الشر ستكون أعلى من معكوسها إن وضعنا بعض المعلومات المسيحية فى خلفيتنا المعرفية التى نقيس عليها الإحتماليات. كمثال، إن عرفنا أن غرض هذه الحياة ليس أن نكون سعداء، ولكن أن نعرف الله، فإن كثير من الألم يمكن فهمه وتفسيره، لأنه يساعدنا فى تحقيق هذا الغرض. بكلمات أخرى، نحن نفترض، دون سبب واضح، أن السعادة والراحة هى الهدف النهائى للحياة. لكن إن كان الغرض النهائى هو معرفة الله فعلاً فهذا يزيد من موقفنا المعرفى تجاه أسباب الألم. أو عقيدة مسيحية أخرى مثل فساد البشر وخطيتهم تشرح وتفسر لماذا يوجد الكثير من الألم والشر فى العالم. جشع وغيرة البشر من بعضهم البعض يسبب الكثير من الشر فى العالم دون أن يقلل ذلك من إحتمالية وجود الله. لهذا فإن المسيحيين لا يفاجئهم الشر الموجود فى العالم بل إنهم، على العكس، يتوقعونه! بمعنى أن المسيحية تحديداً وليس أى نظام عقيدى آخر لديها القدرة على تفسير الشر والألم لتعلى من إحتمالية وجود الله أكثر من غيرها.

ببساطة، إحتمالية وجود الله ستكون أقل من إحتمالية عدم وجوده لو أن خلفيتنا المعرفية فى إستدلالنا تتضمن وجود الشر والألم فقط، لكنها تتضمن أكثر من ذلك مما يجعل إحتمالية وجود الله أقوى من عدم وجوده.

المشكلة الخارجية للشر

  فيما سبق تناولنا المشكلة الداخلية للشر، والتى تستخدم عقيدتين داخليتين من المسيحية لتثبت أنهم مستحيل أن يجتمعا معاً وهم: وجود الله ووجود الشر، وذلك كان على المستوى النظرى أو على المستوى الإحتمالى. لكن المشكلة الخارجية للشر تفترض عنصر فيها غير مسيحى.

محاججة المشكلة الخارجية للشر كالتالى:

- لو أن هناك إله كلى القدرة، وكلى المحبة، فإنه لن يسمح بوجود شر لا معنى ولا جدوى منه.

- هناك الكثير من الشر الذى بلا معنى وبلا جدوى فى العالم.

- إذاً الإله كلى القدرة وكلى المحبة غير موجود.

لاحظ أن هذه المشكلة لا تتحدث عن الشر بشكل عام ولكن تتحدث عن وجود شر لا معنى ولا جدوى منه فى العالم. الموقف الإلحادى هنا سيتحدث عن موت طفل فور ولادته، أو سيتحدث عن عاصفة تدمر بلداً بأكملها وما إلى ذلك من مواقف صعبة يختبرها البشر.

لكننا يجب أن نتذكر شيئاً هاماً قبل معالجة هذه المشكلة: لا داعى لخلط المشكلة الفكرية للشر بالمشكلة العاطفية للشر. لا داعى أن نجعل تأثرنا بموت طفل فور ولادته ينسينا أننا نتعامل مع تحدى فكرى. ولاحقاً سنتطرق للتحدى العاطفى. لذا من الضرورى التركيز فى الجانب الفكرى: وهو وجود كثير من الشر بلا معنى ولا جدوى فى العالم.

والمشكلة الرئيسية أن الموقف الإلحادى يخلط بين شيئين:
وجود شر بلا معنى ولا جدوى فى العالم وما يبدو على أنه شر بلا معنى ولا جدوى فى العالم. بكلمات أخرى، ليس معنى أننا نظن أن هناك شر بدون معنى ولا جدوى أن هذا حقيقى. وعدم معرفتنا بالأسباب الأخلاقية الكافية لدى الله لحدوث هذا الشر الذى لا نفهمه لا يعنى أن هذه الأسباب الأخلاقية الكافية غير موجودة. إنه فقط يخبرنا أن معرفتنا محدودة وقاصرة عن أن تحدد.

ليس ذلك فحسب، بل إن كريج يعتقد أنه لا يمكننا أن نعرف ما إذا كان هناك شر موجود فى العالم بلا معنى وبلا جدوى دون أن نحدد ما إذا كان الله موجود أم لا. أو بطريقة أخرى، نحن بذلك نحدد إجابة السؤال الذى سنسأله قبل حتى أن نسأله. لأن تقرير عدم جدوى بعض الشر الموجود فى العالم هو حكم مُسبق بأن الله غير موجود.

ويحول كريج المحاججة للشكل التالى:

- إذا كان الله موجود فإنه لا يمكن أن يكون هناك شر عدم المعنى والجدوى فى العالم.

- الله موجود.

- إذاً الشر عديم المعنى والجدوى فى العالم غير موجود.

المشكلة الوجودية للشر

        المشكلة الوجودية للشر هى الجانب الشعورى. الآلام التى نجتاز بها تجعلنا نسأل: لماذا يحدث لنا ما يحدث؟ هذه المشكلة ليست فلسفية. إنها لا تخاطب العقل لكن الشعور الإنسانى المنسحق بآلام كثيرة. ربما ليس أفضل ما يمكن فعله تجاه هذه المشكلة هو أن نقول شىء، بقدر ما أن نكون إلى جوار المتألمين والمتعبين والمنهكين من هذه الحياة.

قدّمت المسيحية تفسير لوجود الشر وشرحته، إننا نتألم بسبب الخطية التى دخلت هذا العالم وأفسدته. بإرادتنا الحرة إخترنا أن نعبث بالنظام والترتيب، ولهذا دخل الألم للحياة. دعونا نفكر فى هذا الأمر للحظات. نحن نتعرض لألم حينما يختل النظام. حينما يحدث شىء لا يجب أن يحدث. وهذا سببه، فى الرؤية المسيحية، ما حدث فى عدن. الإنسانية حاولت العبث بالنظام والترتيب؛ أن يأخذ الإنسان ما ليس له.

ولكن القصة لا تقف عند هذا الحد. لقد تدخل الله ليصلح ما فعلته إرادتنا الحرة. لم يلغى حريتنا، ولم يتعدى عليها، ولكن تحمّل المسيرة معنا. الله فى المسيح كان مصالحاً العالم لنفسه. المصالحة هى أن يعود كل شىء إلى طبيعته. أن يعود النظام والترتيب كما كان، وبذلك ينتهى الشر. بدأ الله ذلك فوق الصليب، حينما تحمّل آلام البشر فى جسده. وستكتمل المسيرة فى اللقاء الأخير.

لقراءة الجزء: الأول، الثاني.