
مشكلة الشر والألم >
مشكلة الشر عديدة الوجوه (ج1)
فادي عاطف
5/11/17 - ٥ دقيقة قراءة
مشكلة الشر شغلت عقول الفلاسفة عبر التاريخ؛ ونحن لا ندعّى أننا هنا نأتى بإستنتاج جديد ولكن هذه المقالة هى عرض لما قدّمه الفلاسفة المسيحيون فى النصف الثانى من القرن العشرين." آلفين بلانتينجا،" "ريتشارد سوينبرن"، "وليام لين كريج"، "جى. بى. مورلاند"، هذه بعض أسماء أهم الفلاسفة الذين طوّروا القضية خلال الخمسون عاماً الماضية، والكاتب هنا يقدم خلاصة دراسات هؤلاء الفلاسفة ويشدد على ضرورة العودة إليهم.
وقبل أن نبدأ فى معالجة مشكلة الشر لابد أن نضع تعريف واضح ومحدد لما نقصده بالضبط من مشكلة الشر. وهذه المشكلة لها وجوه عديدة لذا يجب أن نحصر هذه الوجوه ثم نحاول التعامل معها بأفضل طريقة ممكنة. مشكلة الشر تعود جذورها إلى أبيقوريوس، وتطورت عبر الزمن. وسنقدم فيما يلى مسح عام للمعانى العديدة لمشكلة الشر، قبل أن نتعرض لكل واحد على حدة.
الوجوه العديدة لمشكلة الشر
- المشكلة الفكرية للشر:
هى الجانب الذى يتعامل مع مشكلة الشر من ناحية فكرية. كيف يمكننا أن نقدم تفسيراً منطقياً متماسكاً حول وجود الله ووجود الشر فى العالم فى نفس الوقت. إنه تحدى أن وجود الشر ينفى أن يكون الله موجود. إنه جانب فلسفى يسعى لتقديم إجابة عقلانية على تحدى عقلانى. الفيلسوف سيستطيع التعامل مع هذه المشكلة. وهذه المشكلة الفكرية تنقسم بدورها إلى مشكلتين:
1- المشكلة الداخلية للشر:
وهى تشير إلى وجود تضاد داخلى أو تناقض داخلى فى الإطار المنظورى المسيحى للحياة. أى أن هذه المشكلة تشير إلى أن هناك حقيقتين أو أكثر فى المسيحية لا يمكنهما أن يتسقا معاً بشكل منطقى. وهى مشكلة داخلية لأننا كمسيحيين ملزمين بالإيمان بهاتين الحقيقتين. وهذه المشكلة الداخلية تنقسم بدورها إلى تحديين رئيسيين:
أ- التحدى المنطقى: وهو يقول أنه من المستحيل منطقياً أن يكون الله موجود والشر موجود. هذا ليس فقط غير مُحتمل فى الواقع، لكنه غير ممكن نظرياً. لا يوجد عالم ممكن أن يوجد فيه الله والشر معاً. وبما أن الشر موجود، وأننا متأكدين من ذلك، فهذا يعنى أنه من المستحيل أن يكون الله موجود.
ب- التحدى الإحتمالى : وهو يقول أنه من الممكن منطقياً أن يكون الله موجود فى ظل وجود الشر، ولكن من غير المُحتمل أن يكون موجود. وبما أن الشر موجود، وأننا متأكدين من ذلك، فهذا يعنى أن الإحتمال الأكبر أن الله غير موجود.
2- المشكلة الخارجية للشر:
وهى تشير إلى وجود تضاد خارجى أو تناقض خارجى، يبدو أن أحد عناصره ليس ملزماً للإطار المنظورى المسيحى للحياة. أى أن هذه المشكلة تحتوى على عنصر ليس ضرورياً ولا ملزماً ولا مكوناً للمنظور المسيحى، بعكس المشكلة الداخلية للشر. هذه المشكلة تقول أن الله لا يمكن أن يكون موجود طالما أن هناك شر نحن لا نعرف سببه أو القصد منه.
- المشكلة الوجودية للشر: هى الجانب الذى يتعامل مع مشكلة الشر من ناحية شعورية. البعض يسمّى هذه المشكلة بأنها المشكلة العاطفية للشر. إنها مشكلة إنسان يشعر بالألم فى هذه الحياة ولا يستطيع أن يتعامل مع هذا الألم. إنه جانب شخصى، وجودى، شعورى، أكثر منه جانب عقلانى. الفيلسوف لن يستطيع التعامل مع هذه المشكلة لكنه المشير، الراعى، أو ما إلى ذلك.
وفى هذا المقال سنقوم بمعالجة الوجوه العديدة لمشكلة الشر بهذا الترتيب: المشكلة الفكرية، عن طريق تحليل المشكلة الداخلية وذلك بمعالجة التحدى المنطقى، ثم التحدى الإحتمالى. بعد ذلك سنتعرض للمشكلة الخارجية لمشكلة الشر. ثم بعد ذلك سنقوم بمعالجة المشكلة العاطفية أو الشعورية للشر.
التحدى المنطقى لمشكلة الشر
إنه تحدى قديم، أول من صاغه بهذه الطريقة هو "أبيقوريوس"، فيلسوف يونانى عاش فى القرن الثالث ق. م. وصاغ محاججته بهذا الشكل:
- الإله كلى القدرة وكلى المحبة لا يمكن أن يكون موجود طالما الشر موجود.
- الشر موجود.
- إذاً الإله كلى القدرة وكلى المحبة غير موجود.
هذا الشكل من المحاججة عقلانى منطقى لا يتناول مدى الإحتماليات الممكنة لكنه مُوجه تجاه هدف معين: الإمكانية النظرية لوجود الله، بوصفه كلى القدرة وكلى المحبة، مستحيلة نظرياً لأن الشر موجود. "ديفيد هيوم"، الفيلسوف السكوتلاندى الذى عاش فى القرن الثامن عشر، يؤكد أن هذه المحاججة لم يجيبها أحد حتى عصره. يطور هيوم محاججته قائلاً: هل الله يريد أن يمنع الشر لكنه غير قادر؟ إذاً فهو ليس كلى القدرة. هل الله قادر أن يمنع الشر لكنه لا يريد ذلك؟ إذاً هو ليس كلى المحبة. هل هو قادر ويريد؟ إذاً لماذا الشر موجود؟
إذاً لدينا سؤالين فى هذا التحدى: هل الله قادر أن يمنع الشر؟ وهل الله يريد أن يمنعه ؟
عبر النصف الثانى من القرن العشرين إنشغل فلاسفة الدين فى جامعات اوروبا وامريكا الشمالية وغيرهم بمحاولة وضع إجابات منطقية لهذا التحدى المنطقى لمشكلة الشر. وفى عدد من الإصدارات، توصل "آلفين بلانتينجا"، الفيلسوف المُصلح وأستاذ الفلسفة بجامعة نوتردام، إلى إجابة نهائية للتحدى المنطقى لمشكلة الشر الذى يتعامل مع الإمكانية النظرية لوجود الله رغم وجود كم الشر المحيط بالبشر. وإجابة "بلانتينجا" كانت هى دفاع الإرادة الحرة. وهذا الدفاع يقول بأن مفهوم الإرادة الحرة يتناقض مع إمكانية جعل الإختيار مُتاح بين الخير والخير فقط. بكلمات أخرى، إن محاججة المشكك تقول بأن الله كان يستطيع أن يخلق عالم بدون شر. سيكون بالتأكيد عالم أفضل من عالمنا هذا. ولكن دفاع الإرادة الحرة سيقول بأن هذا العالم كان سيكون بلا بشر أحرار يملكون حرية إتخاذ القرار وحرية الإختيار. بل إن العالم الوحيد الذى يمكن أن نسميه عالم حقيقى هو الذى به إرادة حرة. تخيل للحظات عالم يحتوى على بشر لا يمكنهم إلا فعل الخير؛ فى الحقيقة هذا ليس عالم حقيقى، بل عالم من البشر الآليين.
هذا عن الشر الأخلاقى، الذى يتسبب فيه البشر لبعضهم البعض. ولكن ماذا عن الشر الطبيعى؟ ماذا عن البراكين والزلازل التى تدمر حياة الكثيرين؟ دعونا نتذكر أننا نحتاج فقط لطرح إمكانية وليس إحتمالية عند الإجابة عن هذا السؤال. الفلاسفة "وليام لين كريج"، "وجى. بى. مورلاند" يطرحان حلاً: ربما يكون الشياطين هم من وراء هذه الشرور الطبيعية. بالتأكيد هذا أمر غير مُحتمل لدى الموقف الإلحادى، لكننا لا نتكلم هنا عن مدى إحتمالية أن يكون هذا حقيقى. نحن فقط نبحث إذا كان من الممكن أن يكون الله موجود نظرياً رغم كل أنواع الشر التى نجدها حولنا.
فى الحقيقة، الله ليس قادر على كل شىء. الله لا يقدر أن يخلق دائرة مُربعة مثلاً. الله لا يقدر أن يخلق أعزب متزوج. هذه مفاهيم متناقضة ذاتياً. أن يخلق الله عالم به حرية إرادة وبلا شر هو مفهوم متناقض ذاتياً بنفس طريقة أن يخلق الله دائرة مربعة.
هذا عن التحدى الأول، وهو عن مدى قدرة الله. ولكن التحدى الثانى يتسائل: ألا يريد الله أن يمنع الألم؟ لنتذكر أننا هنا فى المستوى النظرى. التشكك الإلحادى يقرر: الله لا يمكن نظرياً أن يكون موجود طالما أن هناك شر. والسبب فى ذلك هو عقيدة كلية القدرة وكلية المحبة اللتان تتناقضان بطبيعتهما مع وجود الشر. لكن ألسنا نستطيع التفكير فى إمكانية وجود حب وألم فى نفس الوقت؟ ألا يحب الأب إبنه حينما يؤدبه؟ لا يوجد سبب نظرى يمنع وجود حب وألم فى نفس الوقت. الأب يحب إبنه وحينما يؤدبه فهو يتسبب فى ألم له. ولكن هذا الألم مصدره الحب. أن يصير الإبن إبناً أفضل هو السبب النهائى وراء تأديب الأب لإبنه.
إذاً رأينا أنه من الممكن نظرياً أن يكون هناك إله كلى القدرة يخلق عالماً فيه ألم، ومن الممكن نظرياً أن يكون هناك إله كلى المحبة يخلق عالماً فيه ألم. قد يكون لدى الله أسباب أخلاقية كافية لأن يسمح بوجود ألم أو شر فى العالم. فى عام 1965 وضع بلانتينجا اول مقالاته حول دفاع الإرادة الحرة ليجيب على التحدى المنطقى لمشكلة الشر. ثم فى عام 1974 وضع كتابه الشهير "الله، الحرية، والشر" والذى أكد فيه أن ثمن الحرية هو الشر؛ أى أن ثمن خلق مخلوقات حرة تملك إختيار حقيقى هو أن يكون هناك شر. وضعت كتابات بلانتينجا نهاية للتحدى المنطقى لمشكلة الشر، ولم تعد قائمة. المشكلة الأكبر تقع فى التحدى الإحتمالى لمشكلة الشر! وهذا ماسوف يطرحه الجزء الثاني من المقال القادم.