
ممارسات >
ماذا يفعل المسيحيون ليلة رأس السنة؟
ق.د. ثروت وهيب
12/27/22 - ٥ دقيقة قراءة
يحتفل العالم بصفة عامة والمسيحيون بصفة خاصة بليلة رأس السنة الميلادية. هناك أفكار متباينة عن هذه الاحتفالات مبنية على خبرات سابقة أو مستقاه من وسائل الإعلام من أقوال شائعة في المجتمعات المختلفة. سنحاول معًا في هذه السطور ماذا يحدث فعلاً في ليلة رأس السنة. من وجهة نظر كثير من المجتمعات العربية والإسلامية، يعتقد كثيرون أن المسيحيين يمارسون أفعالاً غير لائقة في الكنائس في تلك المناسبات. فهم يعتقدون أن أضواء الكنيسة تُطفأ قبل منتصف الليل بدقائق قليلة، وفي هذه الأثناء يحدث هرج ومرج ويقوم الرجال والنساء بتقبيل بعضهم البعض بطريقة عشوائية. فكل واحد يُمكن أن يقبل امرأة غير امرأته، كما يعتقدون أن الحاضرين يسكرون ويعربدون في الكنيسة.
استقى البعض هذه الصورة، مما يحدث داخل الملاهي الليلة والفنادق في المجتمعات الغربية ونسبوا هذا للكنائس ليس فقط في الغرب، ولكن أيضًا في الكنائس في بلاد الشرق الأوسط.
ولقد أشاع بعض الإعلاميين والقادة الدينيون هذه الصورة وألبسوها ثوب الفجور والشر ونسبوها للكنائس. هذه الصورة شائعة عند رجل الشارع العادي خاصة الذي لم يحتك بالمسيحيين ولا يعرف بالفعل ماذا يحدث في تلك المناسبة بل هو يصدق ما يقال له بدون وعي أو فحص.
من الخطورة بمكان أن أستمد معرفتي عن الآخرين من خلال مسموعات أو صور نمطية يتناقلها الناس بدون فهم أو فحص، تحضنا الأديان السماوية على ألا نشهد عن الآخرين شهادة زور، بل نقول دائمًا الصدق عن الآخرين، وذلك بعد أن نعرف الحقيقة ونختبر مدى صدق ما يقال. لقد تعرض المسيحيون عبر تاريخهم للكثير من التنمر والافتراضات الخاطئة. فمن ناحية يتهم المسيحيون بأنهم منحرفون في عقيدتهم ظنًا أنهم يعبدون ثلاثة آلهة، أو أن الله قد تزوج من العذراء مريم وأنجب منها المسيح بحسب اعتقاد البعض. كما يظن البعض أن المسيحيين يعيشون حياة أخلاقية منحلة فيها يحللون ما حرمه الله سواء من الحياة الأخلاقية كالعلاقات الجنسية أو شرب الخمر أو الحرية المُطلقة بلا ضوابط أخلاقية.
تلعب السينما الغربية والمواد الإعلامية القادمة من أوربا وأمريكا دورًا بارزًا في ترسيخ الصورة النمطية للمسيحيين. فالإعلام الغربي يقدم كل المجتمع بكل ما فيه، وهو مجتمع متحرر يختلف في عاداته وتقاليده وممارساته عن المجتمع الشرقي المحافظ. وفي الحقيقة فإن ما تقدمه وسائل الإعلام إنما يعبر عن القيم الغربية، أوربية كانت أم أمريكية، ولا يعبر بالضرورة عن القيم المسيحية. فهناك في الشرق والغرب كثير من المسيحيين الملتزمين في سلوكهم وأخلاقهم بوصايا الكتاب المقدس التي تدعو إلى الحياة الأخلاقية الملتزمة وتحض على استقامة الحياة والسلوك. لذلك فإن تعميم قيم الغرب وسلوكياته على جميع المسيحيين لهو أمر خاطئ وليس فيه إنصاف للمسيحيين.
أما عن الأعياد والمناسبات، فهي ليست أوقات يتحلل فيها الأفراد والجماعات من القيم الأخلاقية لكي يمارسوا أفعالًا لا تتفق مع دين أو أخلاق. ولكن الأعياد خاصة في المسيحية ترتبط بتذكر الأحداث وربطها بالكتاب المقدس. كما تعد هذه المناسبات فرصة للذهاب إلى الكنائس لممارسة العبادة الجماعية والتي تشمل الصلوات والترانيم وقراءة الكتاب المقدس والتأمل فيه وسماع الوعظ والتعليم الذي يدور حول المناسبة المُحتفى بها. ويلتزم المسيحيون بالذهاب للكنيسة في مثل هذه المناسبات في خشوع ووقار، ولكن أيضًا في فرحة وبهجة.
إن محور الأعياد المسيحية هو تذكر أعمال الله وتقديم الشكر له لأجل هذه الأعمال. وأعياد الميلاد هي مناسبة يقدم فيها المسيحيون العبادة والشكر لله لأجل ميلاد السيد المسيح الذي جاء إلى الأرض يحمل بشارة السلام والفرح للعالم.
والجدير بالذكر أن هناك خلطًا بين المناسبات المختلفة من قِبل البعض. فعيد الميلاد يختلف عن رأس السنة. ففي التقويم الغربي يحتفل المسيحيون بعيد الميلاد يوم 25 ديسمبر من كل عام، أما المسيحيون الشرقيون فيحتفلون به في 7 يناير من كل عام. ويرجع هذا الاختلاف في أيام الاحتفال إلى الاختلاف في التقويم الذي تستخدمه الكنيسة في الغرب عن التقويم الذي تستخدمه الكنيسة في الشرق. لذلك فإن رأس السنة يُسمى هو عيد الميلاد أو الكريسماس، ولكنها مناسبة مختلفة تصادف أن تقع بالقرب من أعياد الميلاد. كما يُلاحظ أن هناك خلطًا بين مظاهر الاحتفال الدينية ومظاهر الاحتفالات المرتبطة بالحضارة الغربية. فشجرة الكريسماس وبابا نويل -وغيرها من المظاهر- ترتبط بالحضارة الغربية، وليس بالكتاب المقدس. فالكتاب المقدس يقدم لنا قصة الميلاد بصورة مُغايرة تحث على الفرح والعبادة ونشر السلام، ومناسبة رأس السنة هي مناسبة لتذكُّر ما تم في العام الماضي، ومراجعة النفس وتقديم الشكر لله. كما أنها مناسبة للصلاة والدعاء أن يحفظ ويضمن الله السنة الجديدة ويحِيطها بعنايته ورعايته.
سمعت قصة حقيقية من أحد رجال الدين المسيحي حيث تعرف على شيخ مسلم في أحد اللقاءات الوطنية وتوطدت العلاقة بينهما حتى صارح الشيخ صديقه الجديد بما سمعه عما يحدث من المسيحيين في الكنيسة في ليلة رأس السنة. دعا رجل الدين المسيحي هذا الصديق لكي يحضر معه في الكنيسة في ليلة رأس السنة. وفي الموعد المحدد ذهب الشيخ المسلم إلى الكنيسة واستقبله صديقه وحضر اجتماع الكنيسة. سار الاجتماع بطريقة عادية حيث كانت هناك فقرات متنوعة تشمل الترانيم والصلوات والوعظ وكذلك فقرات يقدمها الأطفال أو الشباب ومسابقات حول الكتاب المقدس. وفي الساعة الموعودة استمرت أضواء الكنيسة كما هي قبل الساعة الثانية عشر. قام الحاضرون كما تعودوا كل عام بترديد مزمور من مزامير الكتاب المقدس والذي ينسب للنبي داود وهو المزمور الثالث والعشرين وفيه تسبيحة للرب لأجل رعايته وحفظه لشعبه ومعيته في كل ظروف الحياة. جرى ترديد المزمور عدة مرات ثم أتبع بترنيمة عنوانها كللت السنة بجودك وأثارك تقطر دسمًا وهي ترنيمة مستوحاة من أحد المزامير من العهد القديم اعتادت كثير من الكنائس ترنيمها في ليلة رأس السنة لتقديم الشكر لله لأجل رعايته طوال السنة ولطلب البركة للسنة الجديدة.
ذهل الشيخ المسلم مما رأى واعتذر لرجل الدين المسيحي لأجل إساءة الظن، وتصديق شائعات لا أساس لها من الصحة وطلب من صديقه أن يحضر معهم كل رأس سنة لأنه أعجب بطريقة الاحتفال وجو العبادة في الكنيسة.
هذا ما يحدث في الكنائس في رأس السنة فالجميع يأتون لتقديم الشكر لله على سنة ماضية ويصلون لأجل بداية السنة الجديدة ويضعون حياتهم وبلادهم وأسرهم وكل شؤونهم بين يدي الله بتعهد السنة الجديدة برعايته وحفظه وسلامه. فلا يمارس المسيحيون الفجور والعربدة داخل الكنيسة، بل يحافظون وينادون بالحياة المقدسة التي ترضي الله والتي تتناسب مع العادات الشرقية المحافظة.
كل عام وأنتم بخير