مقدمة:  

   قبل البدء في هذا المقال، أودّ أن أُحيلكم إلى مُطالعة مقالٍ تحت عنوان "جوهر رسالة المسيح"[1] ناقشنا فيه ماهيّة رسالة المسيح وجوهرها. رأينا أنّ رسالة المسيح رسالة كونيّة شموليّة، لا تقف عند حدٍّ، بل تتجاوز الأعراق والحدود والثقافات المُتنوّعة. أوضحنا أنّ المسيح نفسه هو الرسالة، وليس مُجرّد ناقلٍ لتعاليم أو وصايا، بل حياته وأفعاله هي نفسها الرسالة. وكما بدا لنا أنّ رسالة المسيح في جوهرها هي إعلان ملكوت الله واتمام تحقيقه، وأنّنا كمؤمنين بالمسيح جُزءٌ أصيل من إتمام تحقيق ملكوت الله. المسيح تمّم الرسالة بتجسُّده وصلبه وقيامته ومُعجزاته وتعاليمه ووعوده؛ لكنّه أوكل إلينا مُهمّة عظيمة لضمان استمراريّة رسالته. تكمُن هذه المُهمّة في استكمال ما بدأه من خلال انعكاس صورته في حياتنا، من أجل نشر ملكوت الله على نطاقٍ واسع. من أجل ذلك أعطانا المسيح خصائص رسالته، تلك الخصائص تتجلّى في توجيهاته ووصياه؛ والتي تُساعدنا على إتمام المُهمّة بنجاح. هذا ما سنتناوله خلال هذا المقال المُبسّط.  

 

تجليّات رسالة المسيح:

   سبق وأن أشرنا إلى أنّ المسيح لم يأتِ برسالةٍ كما حدث مع الأنبياء السابقين، وإنّما كان المسيح نفسه هو الرسالة. حيث نجد تجليّات رسالة المسيح في حياته وأفعاله وتعاليمه. ومن جوانب هذه التجليّات الآتي:

  • التجسُّد:

فالمسيح هو تجسُّد الذات الإلهيّة في عالمنا. فالله لم يُرسل لنا رسالةً مع أحد ملائكته أو أنبيائه (في العهد الجديد)، وإنّما هو نفسه تجسّد ليكون قريبًا مِنّا، ليختبر طبيعتنا البشريّة، ليُعلن لنا عن ماهيّته، وطبيعته.

"وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا."[2]

 

  • إجراء المُعجزات:

أجرى المسيح العديد من المُعجزات المُتنوّعة أمام أعيُن الناظرين، والتي تتمثّل في شفاءات وتحريرات، وسُلطان على الظواهر الكونيّة، وتحكُّمه في المادة، وتأثيره وهيمنته على قوى الشرّ الروحيّة. أمّا الأعظم من ذلك هو إقامته للموتى. فالكتاب المُقدّس يُخبرنا أنّه لمّا سقط الإنسان وانفصل عن الله طالته نتائج السقوط من الموت والمرض، وتمكُّن الخطية والتقيُّد بقوى الشرّ. لهذا أراد المسيح إعلان سلطته الفائقة للطبيعة، سواء على الأرواح الشريرة، أو الموت أو المرض أو الظواهر الكونيّة. بهذا يتجلّى للإنسان هدف المُعجزة الحقيقي، فإنّها ليس من أجل ابهار الناس بسُلطة المسيح، وإنّما تهدُف لاستراد الخليقة وعدوتها إلى مصدرها الفائق للطبيعة. كما يقول في هذا الصدد الأب "متّى المسكين":

"والمُعجزات بهذا الوضع تُقدِّمنا بالاستعلان الذي فيها من نحو الله الخالق والقادر على كلّ شيء، كدرجةٍ هامّةٍ جدًا لتُعيد علاقتنا ثمّ شركتنا مع الله بالإيمان. كما أنّها تُعطي الانطباع إلى الإنسان الذي توقّف مُفكّرًا عند مُعجزة الإقامة من الموت أنّ الإنسان يستمدّ حياته من الله وليس من أيّ مصدرٍ آخر".[3]

  • صلبه وقيامته:

تقوم المسيح بشكلٍ كبير على عمل المسيح الفدائي، الذي كفَّر به عن خطايانا، وذلك من خلال صلبه ودفنه وقيامته وصعوده؛ وأجلّ رسالة قدّمها المسيح لنا هي المحبّة المُضحية، إذ مات عوضًا عنّا من أجل أن يُصالحنا مع الله. كما يقول الوحي المُقدّس:

"وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ! لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ! وَلَيْسَ ذلِكَ فَقَطْ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا بِاللهِ، بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي نِلْنَا بِهِ الآنَ الْمُصَالَحَةَ."[4]

ولم ينتهِ الأمر بالصلب والدفن، وإنّما اكتمل الفداء بقيامة المسيح من الأموات، كما يُخبرنا الوحي المُقدّس:

"وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ. فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ. لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ."[5]

كما أكّدنا أنّ المسيح هو الرسالة نفسها من خلال ما قدّمه في حياته على الأرض، ومن خلال مُعجزاته وتعاليمه. فإنّ كلّ ما علّم به مارسه. علّم عن الحبّ قدّمه، أوصى بالسلام فنشره، أوصى بالتضحية وبذل الذات فضحّى بنفسه من أجلنا.

 

نحن هدف الرسالة:

   لا يكاد أحد يقرأ العهد الجديد إلّا ويجد أنّ ملكوت الله هو محوره. كما تظهر هذه الحقيقة جليّة للعيان باشتراك موضوع ملكوت الله في كلّ الأناجيل. كما أشرنا في المُقدّمة أنّنا جُزءٌ أصيل في رسالة المسيح، كوننا نحمل اسمه، ونعكس صورته، ونضمن استمراريّة رسالته. فنحن جُزءٌ فاعل أساسي في ملكوت الله، نحن الفعلة المُرسلون للحصاد كما أخبر المسيح:

"حِينَئِذٍ قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «الْحَصَادُ كَثِيرٌ، وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ»."[6]

ويؤكّد المسيح على دورنا وأهمّيته في المأموريّة العُظمى حينما أرسل التلاميذ إلى رحلتهم التبشيريّة لنشر رسالته وقال:

"فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ."[7]

كما رأينا من توجيهات المسيح لتلاميذه إرادته الواضحة بتكليف أتباعه لاستكمال ما بدأه، من أجل توسيع ملكوت الله وتتميم رسالته. في هذا الصدد ينقل لنا كاتِبا كِتاب (أخلاقيّات الملكوت) عبارة تقول:

"إنّ ملكوت الله لا ينطوي على اجتهاد الله في العمل فيما نقف بطّالين، وهو لا ينطوي على اجتهادنا نحن في العمل بينما يقف الله مُتفرّجًا. ملكوت الله أدائي: فهو عمل الله الذي نتشارك فيه بفاعليّة".[8]

   من مُنطلق كوننا جُزءٌ أصيل من رسالة المسيح، بل ونحن الهدف من الأساس، سنجد المسيح يُرسِّخ للقيم الروحيّة التي تُعِدّنا لأداء المُهمّة. فلا يُمكن لنا أن نكون بطبيعتنا الفاسدة ودوافعنا الماديّة، وسُلوكنا بموجب الأهواء والأنا المُزيّفة، ونستطيع أن نُتمّم رسالة المسيح. لذلك المسيح ركّز بشدّة على تغييرنا طبيعتنا الداخليّة، لنتمكّن، ونستحقّ حمل رسالته. لذلك أوّل ما نادى به هو التوبة، أي تغيير العاقل الكامل وراء السلوك، تغيير داخلي.

"مِنْ ذلِكَ الزَّمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: «تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ."[9]

"وَبَعْدَمَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ وَيَقُولُ: «قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ."[10]

 

لأجل ماذا أتى المسيح؟

يُخبرنا البشير لوقا في إنجيله عن أحد مواقف المسيح التي وقف فيها يُعلّم الناس، ويقول:

"وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَرَبَّى. وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَامَ لِيَقْرَأَ، فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ. وَلَمَّا فَتَحَ السِّفْرَ وَجَدَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوبًا فِيهِ: «رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ» ... فَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ: «إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ» ... فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّهُ يَنْبَغِي لِي أَنْ أُبَشِّرَ الْمُدُنَ الأُخَرَ أَيْضًا بِمَلَكُوتِ اللهِ، لأَنِّي لِهذَا قَدْ أُرْسِلْتُ."[11]

   أظهر المسيح هنا أحد أهداف مجيئه، وهذا بربطه نبوءة النبي إشعياء في العهد القديم بنفسه هو. موضّحًا أنّ من تنبّأ عنه إشعياء قبل مئات السنين، تحقّق الآن فيَّ أنا. وبدأ المسيح يسرد لهم في النبوءة أهداف مجيئه، من شفاء للمرضى والمنكسرين، وعِتق للمأسورين، وإبصار للعُمي.

 

محبّة الله والقريب:

   وضع المسيح أساسًا أخلاقيًا لأتباعه من أجل تهيئتهم لأداء مُهمّة الملكوت، وقد اختصر المسيح هذه الأُسس في مبدأين، وقد أعلنهما عندما جاءه رجل يهوديّ فريسيّ ليختبره في معرفة الناموس والشريعة، فردّ عليه المسيح قائلًا:

"فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ."[12]

   بهذا اختصر المسيح جُلَّ التعاليم والوصايا الإلهيّة في العهد القديم بهاتين الوصيّتين. الأولى محبّة الله من كلّ القلب، والثانية محبّة القريب كالنّفس. ثمّ وضع المسيح قاعدة ذهبيّة كمعيارٍ لنا في الأخلاق وهذا عندما قال:

"فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ لأَنَّ هَذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ."[13]

   لم يكتفِ المسيح بترسيخ هذه القواعد في وجدان أتباعه، فذات يوم وقف أمام الجموع واعظًا إيّاهم عظةً شهيرةً دوّنها لنا البشير متّى في إنجيله، وتُسمّى بـ (الموعظة على الجبل)، -في الواقع لا يسعنا الحديث هنا عنها- وهي التي تُعدّ دستور الأخلاق المسيحيّة.[14] لكن بشكل مُختصر تُعتبر عظة المسيح الشهيرة وصفًا شاملًا للإنسان الذي يُريده الله في مملكته، إنسان الملكوت الإلهيّ الذي يعكس الطبيعة الإلهيّة، ويشترك مع الله في استرداد الخليقة مرّة أخرى إلى الفطرة الحسنة التي فطَر اللهُ الخليقة عليها. إنسانُ الملكوت الإلهيّ الذي يُجسّد ويعكس رحمة الله في كلّ أعماله تجاه الآخرين المُحتاجين للانعتاق من العبوديّة والاحتياج والعوز. يحمل سلام الله أينما كان للجميع دون تمييز.

   المسيح هو قلب الإرساليّة التي نُنادي بها للعالم أجمع، وهو السبب الذي يجعل كلّ المسيحيّين يجوبون الأرض قاطبة مُنذ صعوده وإلى الآن لأجل إعلان الخبر السّار وتوصيل رسالة المسيح. المسيحيّة لا تمدح ولا تُنادي بحضارةٍ مُعيّنةٍ، ولا تُبشّر بمذهبٍ مُعيّنٍ أو ثقافةٍ مُعيّنةٍ؛ المسيحيّة تُعلِن وتُبشِّر بشخص المسيح الفريد نفسه، وليس لديها رسالة أخرى.[15]

 

في الأخير:

كما اتّضح لنا في نهاية المقال أنّ رسالة المسيح لا تتمثّل في مجموعة قوانين روحيّة أو وصايا إلهيّة أو تعاليم أخلاقيّة، وإنّما رسالة المسيح تكمُن في أنّه هو نفسه الرسالة، من خلال حياته بكلّ تفاصيلها من تسجُّده ومُعجزاته، وصلبه ودفنه، وقيامته وصعود. ونحن كمؤمنين شُركاء في إتمام هذه الرسالة، من خلال إظهار المسيح فينا للعالم، ولأجل نشر ملكوت الله.

 

[1]  مقال بعنوان: جوهر رسالة المسيح. 

[2] (يوحنّا 1: 14).

[3] الأب متّى المسكين، المسيح: حياته، وأعماله (وادي النطرون: مطبعة دير القديس أنبا مقار، 1998)، 128.

[4] (رومية 5: 8 -11).

[5] (1 كورونثوس 15: 20 -22).

[6] (متّى 9: 37 -38).

[7] (متّى 28: 19).                                                                       

[8] غِلن. هـ. ستاسِن ودايفد بـ، غاشّي، أخلاقيات الملكوت، اتباع يسوع بأسلوب مُعاصر (لبنان: دار منهل الحياة، د.ت)، 7. 

[9] (متّى 4: 17)

[10] (مرقس 1: 14 و15)

[11] (لوقا 4: 16 -19، 21، 43)

[12] (متى 22: 37 -40)

[13] (متى 7: 12).

[14] يُمكنكم التعمُّق فيها من خلال مطالعة العديد من المقالات حولها على موقعنا:

https://shorturl.at/blsuC

[15] جون ستوت، المسيح الذي لا مثيل له (مصر: دار النشر الأسقفيّة، 2010)، 14.