
الخلاص >
الخلاص رحلة حياة
ق. بيتر نادي
7/28/22 - ٥ دقيقة قراءة
بشكل غير واعي نتأثر للغاية بروح العصر، فنحن في "عصر السرعة"، نختزل كل شيء، الوقت والجهد والمسافة، وقد انعكس ذلك على الوسط المسيحي، فأصبحنا نسمع عن محاضرة "تُغَير الحياة!"، وعن كورسٍ يُعلم "الطريق إلى الله!"، وعن مؤتمر يُغير سلوكك! وعن لقاء صلاة يُعلمك الصلاة! كل هذه الأحداث اختزالات لارتحالات ومسارات كبرى تحتاج لمسيرة طويلة مِن الجهاد والمثابرة، تُقدم إلينا بروح العصر في قالب دعائي صغير يَعِدُنا بمَا نحلم به في أوقات قصيرة، ولكنه لا يقوى على تنفيذ وعده لأن حجم الوعد أكبر مِن محاولة تنفيذه مِن خلال الوقت والمنتج المقدَّم لنا.[1]
إن مفهومنا عن الخلاص، وطريقتنا في الوعظ عنه وتقديمه، تأثرت بهذه الثقافة فلم نَعُد نتحدث عنه كمسيرة ارتحالٍ كُبرى، تتحقق في حياتنا بشكل لحظي كل يوم عبر رحلة الحياة التي يبدأ فيها عمل الله بداخلنا ثم يستمر بلا توقف طوال أيامنا. ولكي يحدث ذلك علينا أن نُعيد تجديد وعينا وفهمنا للرحلة بالكامل، فنضع أيدينا على المشكلة الأساسية، ونتعمق في فهم الخلاص وغايته، وأخيرًا أن نفكر في ماذا يعني أن نكون مخلصين بالنعمة؟
جذور المشكلة: "مرض الإنسان"
عندما نتساءل عن المشكلة الأساسية أو نقول مِن ماذا نُخلَّص؟ واحدة من أشهر الإجابات، وأعتقد أكثرها رسوخًا في العقل الجمعي المسيحي، هي الخلاص من الجحيم-تلك البحيرة المتقدة بالنار والكبريت-، وهذه الإجابة وإن كانت منتشرة ومتجذرة في المجتمعات المسيحية إلا أنها لا تُعبر عن الحقيقة في اكتمالها ونقائها الكتابي واللاهوتي، ولكي نصل إلى الحقيقة المكتملة علينا أولاً أن ننظر للمشكلة كما عبر عنها الوحي المقدس.
جذور المشكلة كما تراها المسيحية هي الخطية، لكن علينا أن نتخلص من تعريف الخطية على أنها مجرد فعل بعض الأمور السيئة، أو فقط انتهاك بعض الشرائع، بل الخطية في جوهرها علاقة منهارة بيننا وبين الله، وبعضنا ببعض، وبكامل النظام المخلوق. هي استقلال الإنسان عن الله، وانفصاله تمامًا عن حياة الشَّرِكة الإلهية. هي ألا يريد الإنسان في يأس أن يكون ذاته أمام الله، والرفض اليائس لأن يجد هويته العميقة في علاقته بالله وخدمته له.[2] وهي محاولة الإنسان بأن يدَّعي لنفسه سلطانًا إلهيًا يصبح به قادرًا على وضع مصيره بمعزل عن الله وبالاستغناء عنه، وبذلك يحاول الإنسان أن يستحوذ على الألوهة ويمتلكها في ذاته ويتصرف بها كما شاء هواه.[3]
لقد أرد الإنسان باستقلاله عن الله -مصدر حياته- أن يكون كالله (تك 3: 5) ويتمتع بمعرفة وحرية كاملة، وبدلاً من ذلك سقط في العبودية، وفسدت طبيعته، وتشوهت صورة الله بداخله، وفقد الشَّركة مع الله، ولم يعد هناك شيء يروي عطشه الداخلي إلى الله، ذاك العطش الذي ليس بوسع أيّة خليقة أن ترويه.[4] هذه الحالة وصفها الوحي المقدس بأنها "موت روحي" (أف 2: 1)، فغياب الله عن حياة الإنسان يجعل مِن هذه الحياة ضربًا من الموت -فهو يبدو حي، ولكنه يعاني مِن جراحات ووجع وتشوهات كثيرة- ويجعل مِن الموت الجسدي النهاية الأبدية لقصة الإنسان تمامًا.
لم يترك الله الإنسان في موته وفساد طبيعته، لم يتركه مجروح ومُستعبد لقوى الشر والموت، لم يتركه بعيدًا عن تحقيق غاية وجوده -أن يشترك في حياة الله الإلهية- لم يتركه عاجزًا مُدمرًا متحركًا للفناء الأبدي. فإله الكتاب المقدس الذي يُخلص هو الله الذي يكشف أولاً أين توجد الجذور الحقيقية للمشكلة ثم بعد ذلك يتعامل معها، ليس فقط مع ثمارها السيئة، بل مع أعماقها ليشفي من الداخل طبيعة الإنسان المائتة ويرده للحياة والشَّركة معه.[5]
الخلاص، مفهومه وغايته:
لما رأى الله هلاك الإنسان وعدم قدرته على الرجوع لمصدر حياته، جاء الله إلى العالم في شخص يسوع المسيح ليُخلص الإنسان من كل تشوه وفساد وموت، بأن يبث حياته الإلهية في الإنسان المائت ليُعيد خلقته من جديد وبحضور روحه القدوس وقوته يكمل هذا الخلاص ويحققه كل يوم في حياة ابناءه الذين يقبلون أن يسيروا رحلة التحول من إنسانهم القديم إلى الإنسان الجديد الذي يتجدد (أف 4: 24).
هكذا فغاية الخلاص هي أن يتحد الإنسان بالله في المسيح يسوع لتسري في أعماقه حياة المسيح، وعلينا أن نعي أن الاتحاد لا ينتج عنه تقدمًا أخلاقيًا أو تحسنًا في الطبيعة الإنسانية، وإنما ينتج تحول في الطبيعة إلى شخص جديد، خليقة جديدة.[6] الخلاص إذًا هو عملية إعادة خلق من جديد للإنسان الذي فسد بالخطية، وقد عبر عنها الكتاب المقدس بأنها مشاركة للطبيعة الإلهية. (2بط 1: 4) ويُعلق إن تي ريت قائلاً: "لقد كان الناس يشفون، علامة على أنَّ الخليقة الجديدة تُقبِل لتحتضن الخليقة القديمة بتلامس المسيح مع أجساد البشر وحياتهم الحقيقية، ومن ثم تشفيها جسديًا ونفسيًا. لقد نال الناس غفران عندما تلامست الخليقة الجديدة في المسيح مع حياتهم الروحية والأخلاقية، ونقلت إليهم دفء التيقن من محبة الله".[7]
إن الخلاص أكبر بكثير من مجرد النجاة مما هو سلبي، ومن الخطورة أن يُختزل في لحظةٍ محدودة في وسط زمن متحرك وميول وأهواء متغيرة، إنما يُنظر له على أنه رحلة الإنسان مع الله، تلك التي يتشكل فيها حتى تنمو فيه ملامح المسيح يسوع تدريجيًا كلما جرت فيه الحياة الجديدة، فالمسيح خلصنا، ويُخلصنا كل يوم، حتى تُستعلن ملء بنوتنا له، لنكون أبناء حقيقيين برغبتنا الجادة المتفاعلة مع عطية المسيح وهبته.[8] فالخلاص رحلة صناعة إنسانيتنا الجديدة بالروح القدس، وهذا الإنسان المُشكل بأنامل روح الله هو ما يُشكل حياته الخارجية لتكون شهادة حية لملكوت الله.
الخلاص يبدأ بالمصالحة، ولكنه لا يتوقف عندها، بل يمتد من المصالحة إلى الاتحاد، لقد صالحنا المسيح في جسم بشريته (كو 1: 22) وهناك في جسد المصالحة تبدأ رحلة اتحادنا الشافي. ليصبح "الخلاص تلك العصارة التفاعلية، في مسرى الاتحاد ما بين الله والإنسان، في مجمل زمن الإنسان -وليس في لحظة معينة من الزمن-، من خلال الروح القدس، الذي يُمركز الخلاص المُقَدم من المسيح في القلب، ليصير مركز حركة وامتداد لتفعيله في حياة المرء ذاته".[9]
أخيرًا، إن التفاعل اللائق مع محبة الله العميقة تلك التي ظهرت في خلاصنا وتجديد طبيعتنا:
- أن نُقر بشكل لحظي بأننا لم نعد مِلكًا لأنفسنا، ونتعهد بحرية بأن نعيش بخضوع كامل ومطلق لسيادة الله على حياتنا. "أن نعيش لا لأنفسنا، بل لمَن أنعم علينا بذاته وبالشركة في حياته الإلهية.
- أن نكون مدركين لعدم اكتمال نضوجنا وشبه المسيح فينا، وهذا الإدراك يقودنا للاستمرار كل يوم في مسيرتنا نحو النضوج واكتمال شبه المسيح فينا، فنصرخ كل لحظة: يا رب أكمل عملك في شخصياتنا، شكلنا بأناملك الرقيقة وأعد صياغة كياننا الداخلي، لتتحقق صورتك فينا، ونتحول لنكون الخليقة الجديد التي أردت أن تكون.
- أن نستوعب الصراع، فكل تحول في حياتنا لطبيعة الله يحدث بعد جهد ورحلة طويلة من الصراع مع طبيعتنا الفاسدة ليحل المسيح فينا لنكون قُدوسين، لذا نحتاج أن نتأقلم مع هذا الصراع ونفهم أنه ضروري لتحولنا من طبيعتنا الفاسدة لطبيعة الله. وهذا ما أشار إليه بولس عندما قال: إِذْ خَلَعْتُمُ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ،"وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ (كو 3: 9، 10).
المراجع:
[1] سارافيم البرموسي، الصلاة في عالم استهلاكي (القاهرة: مدرسة الإسكندرية، 2021)، 42.
[2] تيموثي كلر، الإيمان في عصر التشكيك، ترجمة سعيد الباز (الأردن: أوفير، 2010)، 228-231.
[3] كوستي بندلي، كيف نفهم اليوم قصة آم وحواء؟ (لبنان: منشورات النور، 1990)، 76-77.
[4] كوستي بندلي، 97.
[5] كريستوفر رايت، الخلاص، ترجمة وليم هارفي (القاهرة: دار الثقافة، 2007)، 30.
[6] يوحنا زيزيولاس، الوجود شركة، ترجمة مؤسسة القديس أنطونيوس، ط3 (القاهرة: مؤسسة القديس أنطونيوس، 2013)، 104.
[7] أن تي ريت، الخبر السار، ترجمة أوسم وصفي (الأردن: أوفير، 2015)، 49.
[8] سارافيم البرموسي، مرجع سابق، 48.
[9] المرجع السابق، 58.