مقدمة:

    يعدُّ النبي إيليا[1] من أهم أنبياء بني يعقوب، وعُرِفَ بأنه مُقاوم الملوك، وصانع المعجزات. جاء في وقت انحرف فيه الشعب عن عبادة الله الحي، وعبدوا البعل. حدث هذا خلال فترة حُكم الملك أخاب الشرير، وزوجته إيزابل بنت الملك أثْبَعَل الوثني من مملكة صيدا. وكانت هي، ووالدها يتعبدان للإله بَعل، حيث حثّت الناس من بني يعقوب على عبادة البعل وسعت إلى قتل العديد من أنبياء الله.
تُعتبر سيرته من السير الغنية بالدروس المفيدة في حياتنا مع الله. ويُلخّص البعض تاريخ بني يعقوب في شخصيتين
: النبي موسى كليم الله الذي من خلاله أتت التوراة، والنبي إيليا الذي يُمثّل كل الأنبياء.
 والحديث عنه يطول. ولذلك سنأخذ مشهدين من سيرة هذا النبي العظيم لنقتدي به في حياته وصِلَته مع الله.
 

 الظهور المفاجئ

   يظهر النبي إيليا فجأة في التاريخ. ولا تقول لنا التوراة شيء عن ميلاده، ونشأته، ولا عن أبواه. فقط نعرف أنه من سُكّان جِلعاد. لكنه نظر حوله ورأى الأصنام، والشعب ضال عن إلهه. ووجد آيات التوراة تقول: إنه إذا ابتعد الشعب عن الله وعبدوا ألهه أخري. فإنَّ الله سيغلق السماء عنهم ولا تعود تُعطي مطرًا[2].
   أراد النبي إيليا أن يري الشعب مدى فسادهم وشرّهم
، وأراد أيضًا أن يُريهم أنَّ الله حي وكلمته في كتابِه العزيز حيّة، ويستطيع تنفيذها. فذهب النبي إيليا إلي الملك أخاب الشرير وقال له:

"أُقْسِمُ بِالْمَوْلَى رَبِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي أَخْدِمُ فِي مَحْضَرِهِ، لَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ السِّنِينَ الْمُقْبِلَةِ نَدًى وَلَا مَطَرٌ، إِلَّا حِينَ أَقُولُ!" (1مل1:17).

 ثم أوحى الله له أن يذهب إلى وادي كريت، ليختبئ هناك من بطش الملك أخاب. وأمر الله الغربان أن تعوله صباحًا ومساءً بالخبزِ واللحمِ. وكان يشرب من ماء النهر.
هنا نرى شجاعة النبي في تنفيذ قول الله، وطاعته حين أمره بالاختباء. فكان كالجندي الذي ينتظر قول قائده ليقول له: سمعًا وطاعة.

   بعد فترة جفَّ النهر بسبب عدم وجود المطر. فجاء وحي الله للنبي أن يذهب إلى بلدة وهناك ستعوله أرملة بالطعام، والشراب اللازم. فأطاع النبي قول الله وحين أقترب من البلدة، وجد امرأة تجمع حطبًا فناداها قائلًا: أِعطني طعام لأكل. فقالت له:

"ليس لدي خبز يكفيك ويكفيني، لا أملك إلاَّ حفنة دقيق، وقليل من الزيت، وهذا الحطب لأصنع بناره وجبتي الأخيرة لي ولابني. ثم أنتظر الموت!"

فطمأنها النبي بقول الله: إنه لن يفرغ الدقيق، ولن ينقص الزيت حتى يُرسل الله المطر. فذهبت المرأة وعملت الطعام لثلاثتهم، ولم ينفذ الدقيق، والزيت كما قال الله على لسان نبيه.

   بعد فترة من الزمن مرض ابن الأرملة مرضًا شديدًا، دفعه إلى الموت. فغمَّت المرأة جدًا وصرخت للنبي إيليا. فقال لها: اِحضري ابنك إليَّ. ثم أخذ جثة الصبي وصرخ لله أن يُعيد الصبي من الممات، ويبعث فيه الحياة. فاستجاب الله لدعاء النبي، وعادت الروح للصبي. فقالت المرأة للنبي إيليا: (الآن تأكدت أنك نبي لرب العالمين وكلام الله يجري على لسانك)
 

من هذه البداية يُمكن أن نتعلَّم بعض الدروس:

1- طلب اللّه من النبي إلياس أن يُجاهد في سبيله، ليرُدَّ الشعب إلى العبادة الصحيحة. وأعطاه الإيمان، والشجاعة ليقوم بهذه المسئولية. وعندما يكلفك اللّه بعمل خدمة له فإنه يؤهلك لتقوم بها على أحسن وجه.[3]
2- الله يُنفذ كلمته لأنه حي وكلمته حية (مثل انقطاع المطر عن الأرض).
3- الله يُدبر الاحتياجات مهما كانت الظروف (مثل ما حدث مع الأرملة، وابنها).

 

- موقعة جبل الكرمل:

    بعد أكثر من ثلاث سنوات من الجفاف جاء وحي الله لنبيه أن يُخبر الملك أخاب بأنَّ الغيث قريب. فقال له الملك: أنت سبب البلايا التي حلّت علينا! فأجابه النبي إيليا: لا بل أنت وبيتك حين رفضت عبادة الله، وعبدتم البعل، وأشركتم به. فالآن أَرسل إلى كهنة البعل لنجتمع معًا قبل مجيء المطر.
فاجتمع كل كهنة البعل الثمانمائة والخمسون، والشعب على جبل الكرمل. فخاطبهم النبي إيليا قائلاً:

"إِلَى مَتَى تَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الْمَوْلَى هُوَ اللهَ فَاتْبَعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ هُوَ اللهَ فَاتْبَعُوهُ."[4] (1مل21:18).

سنُحضر ثورين، ونقوم بتقطيعهم، ونضعهم على الحطب، والإله الذي يُرسل نارًا إلى الحطب يكون هو الإله الحي. فابتدأ كهنة البعل أولاً بوضع الحطب، وتقطيع الثور. ثم صرخوا طوال النهار للبعل ليُجيبهم بنزول النار إلى الحطب. ولكن لا سميع ولا مُجيب، حتى يأسوا من المحاولة.
كان النبي إيليا واثقًا بإلهه، ومؤمنًا أنَّ الأصنام لا تنفع. فعزم في قلبه على أن يوقظ ضمير الأمة كله من وحل الشرك بالله. فبدون مواجهة الباطل سيظل الناس يتوهمون أنهم على صواب!
ثم جاء الدور على النبي إيليا، فبنى المذبح، وقطّع الثور، ووضعه على الحطب وقال:

"اللّٰهُمَّ يَا رَبَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ، أَثْبِتِ الْيَوْمَ أَنَّكَ أَنْتَ هُوَ رَبُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنِّي أَنَا عَبْدُكَ، وَأَنِّي فَعَلْتُ كُلَّ هَذَا بِأَمْرِكَ. اِسْتَجِبْ لِي يَا رَبُّ، اِسْتَجِبْ لِي، لِكَيْ يَعْلَمَ هَذَا الشَّعْبُ أَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ هُوَ اللهُ، وَأَنَّكَ أَنْتَ تُرْجِعُ قُلُوبَهُمْ إِلَيْكَ."[5] (1مل38،37:18).


فنزلت النار من عند الله، وأكلت الثور، والحطب، وحجارة المذبح. فهتف الشعب واعترفوا أنه لا إلهَ إلاّ الله!
   أمر النبي إيليا الشعب بالقبض على كهنة البعل، وقتلوهم جميعًا لأنهم قادوا الشعب للشرك بالله. فبلغ الخبر إيزابل فتوعّدت النبي إيليا قائلة إنه كما قتل أنبياء البعل، كذلك ستفعل به.
كنا نتوقع أنه، إما أن يصمت بإباء، أو يُجيبها، كما أجاب ذهبي الفم الامبراطورة يودكسيا "اذهب وقل لها أني لا أرهب شيئًا سوى الخطية[6]".
لكنه خاف، وهرب، وتمنَّي أن يموت!

فجاءه وحي الله يسأله: لماذا هربت يا إيليا؟ فقال: لقد سلكت طريقك بكل حماس، أما بني يعقوب هدموا مذابحك، وتركوا عبادتك، وبقيت أنا وحدي وهم يحاولون أن يقتلوني! 
فطمأنه الله أنه ليس وحده، بل هناك سبعة ألاف شخص ما زالوا يعبدون الله الحي. وأنَّ الله سيقيم أشخاصًا للقضاء على عبادة الأصنام.

 

من هذه الموقعة نتعلم بعض الدروس:

1- لقد كان الشعب يعبد الله، وفي الوقت نفسه يعبد الأصنام! يُمكن أن يُمثّل الصنم اليوم لنا كل شيء نعتمد عليه ونثق أنه الملاذ الآمن لنا (المال- القوة- السلطة- الشهرة- الوظيفة). فعلينا أن نتكل على الإله الحي الحقيقي، ونعرف أنَّ كل الأوثان الأخرى لا تُجيب ولا تسمع.
2- لم يخش النبي إيليا مواجهة الملك أخاب، على الرغم من معرفته أنه يبحث عنه في كل مكان بسبب الجفاف الذي حدث. بسبب اتكاله على الله الذي يُنجّي عبيده من الضيقات، ويَجعل مع العُسر يسرًا.
 

خاتمة:

   عزيزي قد يكون الجفاف في حياتك بسبب الذنوب الكثيرة التي ترتكبها، قاد النبي الشعب إلى التوبة أولًا، والاعتراف إنه لا إله إلا الله ثم أتى المطر. فالتوبة أولًا ثم ستأتي البركة.
قد يكون "الذي تعبده" لا يُجيب، بالرغم من أنك تدعوه كثيرًا، وتُخلص له.

فشل البعل في إرسال المطر، وإرسال النار بالرغم من دعاء، وإخلاص الناس له. هل الذي تعبده هو السميع المُجيب؟ أم هو مجرد جماد بلا حياة!
كان النبي إيليا رجل أفعال أكثر من الأقوال، وكان شعاره:

"حيٌّ هو الرب إله إسرائيل الذي أنا واقف أمامه."

 فليتنا نضع صوب أعيننا أن الله مُطّلع على كل أقوالنا، وأفعالنا. ويكون شعارنا

"الله معي، الله ناظري".
 

 

[1] النبي إيليا هو الاسم المذكور في التوراة للنبي إلياس.

[2] سفر التثنية 17:11

[3] سيرة النبي إيليا، القس منيس عبد النور.

[4] ترجمة الخبر السار.

[5] ترجمة الخبر السار

[6] ف.ب.ماير، حياة إيليا